الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يجمع كثير من علماء الآثار على أن أرض المملكة لا تزال تحتفظ ببكارتها فيما يتصل بكشف آثارها التاريخية، حيث انطلقت منها وعبر التاريخ حضارات عدة، بعضها ترك آثاره في جنباتها على هيئة رسوم أو نقوش، والبعض الآخر دفن في تضاعيف مساحاتها الشاسعة بانتظار من سيكشف عنه، ليضيفه إلى تاريخ الإنسانية الذي لا يزال ينظر إلى هذه الأرض كمهد أولي لتاريخ لم يحك بعد.

وإعلان «اليونسكو» تسجيل حي طريف في الدرعية ضمن منظومة التراث العالمي، وهو الموقع الثاني إلى جانب الحجر (مدائن صالح) التي تم تسجيلها عام 2008..هو انتصار حقيقي للثقافة الإنسانية التي تحتفي بأي تراث إنساني يتناول التاريخ البشري وعمليات الاستيطان القديمة التي أثرت البشرية، وشكلت مفصلا حيويا من مفاصل هذا التاريخ الممتد والضارب في أعماق الزمن، مثلما أنه انتصار للأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي تنبه باكرا إلى ضرورة العناية بآثارنا، وأولاها كثيرا من العناية والاهتمام على اعتبار أنها السجل الحقيقي لثقافتنا التي لا تزال ترتبط معها بحبل السرة، وهو ما تمثل في وقت مبكر بما أولاه لمنطقة الدرعية من العناية والحفاظ على مقدراتها التاريخية، منطلقا من قناعاته الراسخة بأن هذا التاريخ بأحداثه وميادينه وآثاره إنما هو جزء لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية لهذه الشعوب التي يجب أن تقدم نفسها للعالم من خلال تاريخها العريق، لرواية منجزها التاريخي كأمة فاعلة. وبالدرجة نفسها هو انتصار للهيئة العامة للسياحة والآثار، التي نشطت في هذا المجال منذ قيامها، ومنذ أن تسلم زمام الأمور فيها شاب مثقف، يحتفظ برؤية ناضجة لهذا السجل الإنساني هو الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، حيث باشرت الهيئة تقديم ملفات الترشيح للمنظمة مدعومة بكل ما يؤسس لحقها في الدخول إلى هذا السجل العالمي، وهنالك كما نعلم مساع جادة تبذلها الهيئة لترشيح جدة القديمة للدخول إلى قائمة التراث العالمي، وهذا ما سيعيدنا كوطن وكأمة إلى الخانة التي تضعنا بين أمم الأرض كأمة ثقافة وحضارة كانت لها إسهاماتها وحضورها في مساقات البناء الإنساني الطويل، بعد أن احتكرت الحضارة الغربية وبعض حضارات الشرق القديمة هذا السجل الأممي، في الوقت الذي كانت تعاني فيه آثارنا التاريخية كثيرا من الإهمال والتجاهل. وحي طريف في الدرعية بتاريخه وموقعه الفريد في أهم منعطفات وادي حنيفة، الذي استولد كثيرا من المستوطنات البشرية نسبة لخصوبة أرضه، وملاءمتها الصياغات الحضارية التي وجدت فيها تلك الحضارات، ما يوفر لها صناعة تاريخها على أرضه، هو ذاكرة تاريخية وثقافية، وقيمة كبرى للتاريخ الإنساني، ليس لأنه فقط ضم الجينة الأولى لمولد الدولة السعودية الأولى (1157هـ/ 1233هـ)، التي أسست لأول وحدة عربية أتت لاحقا على يد الراحل العظيم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه، في الدولة السعودية الثالثة، ليس كذلك وحسب .. رغم كل ما في هذا الحدث من بعد تاريخي وإنساني، وإنما أيضا لأنها امتدادنا الطبيعي نحو تلك الجذور البعيدة التي رسمت لهذه الأرض صياغتها كأرض حضارات، لم تكن مجرد حضارات طارئة، أو مجرد عمليات استيطان بسيطة، منذ أن عرف الإنسان الأول الاستيطان كأسلوب حياة بعد أن انتقل من اقتصاد الفريسة إلى الاقتصاد الزراعي الذي يربطه بالأرض. ثم تبقى الدرعية أو العوجاء بالنسبة لذاكرة السعوديين والعرب والأمة الإسلامية منطلقا للحضارة التي روضت الترحال في الجزيرة العربية، وأسست ولأول مرة في أرجائها مفهوم الاستقرار الوطني الذي يسهم اليوم بدور بارز على المستوى العالمي بقيادته العالم الإسلامي من خلال رعاية المقدسات الإسلامية، كما يسهم في الاستقرار الاقتصادي والتجاري والزراعي الدولي وفي كل الميادين. إن دخول هذه المواقع التاريخية لسجل التراث العالمي سيشكل محطة مهمة في تاريخنا، ونحن على ثقة، وبجهود المخلصين على اختلاف مواقعهم، بأننا سنصل إلى وضع كل آثار بلادنا بقيمها الكبرى على خريطة التراث العالمي كبلد أصيل يستمد حضوره مما وراء التاريخ.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية