الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل 20 سنة، لم يكن توصيف ''المستهلك المالي'' موجودا على الساحة الاقتصادية، كان هناك مقترض لأهداف واضحة لا تحتاج إلى فذلكة اقتصادية لشرحها. وغالبا ما كانت عمليات الاقتراض مربوطة بصورة مباشرة بالعقارات، ولا بأس من ارتباطها بشراء السيارات العائلية، وفي أشد الظروف وطأة بقرض دراسي. ولأن المصارف (ولا سيما في الدول الغربية) تحولت في العقدين الماضيين، إلى ما يشبه الـ ''سوبر ماركت'' بمنتجاتها ومشتقاتها. فقد أنتجت مستهلكا في خضم إغراءات، حوَّلت المستهلك الحكيم إلى مقامر، بعد أن تحوَّلت المصارف إلى ما يشبه ''الكازينوهات''، نالت من السخرية أكثر مما نالت من الانتقادات. ولعل أبلغها ما قاله الممثل الكوميدي الأمريكي بوب هوب: ''إن المصرف هو المكان الذي يُقرضك الأموال، إذا استطعت أن تثبت أنك لا تحتاج إليها''!. وهذه السخرية لم تقتصر على عمليات الإقراض المشينة، بل انسحبت أيضا على عمليات الإيداع المريبة. ففي أحد الأيام قال نائب الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق دان كويل: ''إن فشل المصارف يعود إلى المودعين، الذين لا يودعون ما يكفي من الأموال؛ لتغطية سوء إداراتها''.

اليوم.. يقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما مزهوا بانتصاره التاريخي في تمرير أكبر قانون للإصلاح المالي ولترويض و''لجم'' سوق ''وول ستريت'' منذ 70 عاما، رغم حرب الجمهوريين التي أُعلنت ضده، لضرب القانون، أو على الأقل لتفريغه من محتواه. أراد إصلاح صناعة جلبت أكبر المصائب المالية والاقتصادية للولايات المتحدة والعالم. وقد فهم أوباما، أن الإصلاح - أي إصلاح - لن يحظى بجودة النتائج، إذا ما كان بعيدا عن المستهلك، خصوصا بعدما عاش هذا المستهلك وهو مستعبد للسوق المالية، عندما قدَّم المصرفيون معايير السوق على معايير المجتمع وأخلاقياته. ولهذا السبب انتصر القانون للمستهلك المالي، عن طريق تعزيز مراقبة سلطات ضبط قطاعات كاملة من سوق المال، لم تكن تخضع للإشراف، وإقامة هيئة للمستهلك المالي في المصرف المركزي، إضافة طبعا إلى نص يقضي بالحد من الصفقات المشبوهة.

لقد ربط هذا القانون التاريخي - لأول مرة - مصلحة المستهلك المالي، بمصلحة الاقتصاد الوطني برمته، (وهي رابطة بديهية، من المفترض ألا تحصن بقوانين أو تشريعات). فعندما تغيب مصلحة المستهلك، تظهر على الساحة ''الذئاب الاقتصادية'' التي تنهش في ''جسم'' اقتصاد البلاد، وعندما تعمّ الفوضى بعد التهام المعايير المؤسّسة للحراك الاقتصادي، لن يكون هناك من منقذ سوى دافعي الضرائب الممولين الرئيسيين للحكومة. ولأن أوباما عرف هذه الحقيقة، فقد كان حريصا في الإعلان على أن هذه القوانين والإجراءات ''هدفها رعاية مصالح المستهلكين في النظام المالي، لا مصالح المصارف الكبيرة أو المُقرضين أو بيوت الاستثمار''. وللتدليل على أن مصلحة المستهلك هي من مصلحة اقتصاد الوطن، يقول الرئيس الأمريكي: ''إن هذه القوانين ليست جيدة للمستهلك فحسب، بل للاقتصاد ككل''.

إن ''الفحش'' Obscene الذي صبغ السوق المالية على مدى سنوات طويلة، سيتراجع أمام القوانين الجديدة، وستتراجع معه ثقافة ''دع السوق تعمل وإن أخطأت فستصحح أخطاءها بنفسها''!. لكن التاريخ لم يسجل تصحيحا عمليا وواقعيا واحدا ذاتيا في السوق المفتوحة على كل شيء وأي شيء. كانت الحكومات تتدخل بأموال شعوبها، لا بغرامات على المصرفيين الذين يقول عنهم قاضي قضاة الولايات المتحدة الأسبق إيرل وورين: ''إنهم أول من يفرضون الرسوم المصرفية، وأول الفارين عندما تبدأ المتاعب!''.

لقد أثبتت التجارب - ولا سيما المريعة منها - أن المستهلك لا يكون رقما سهلا، إلا عندما تغيب الأخلاق والمعايير الاجتماعية، عن أدوات السوق - أي سوق -. في السوق المالية أو ''السوبر ماركت'' المصرفية، تكون المصائب مضاعفة؛ لأن الأخلاقيات الغائبة عنها، تنال من الفرد ومن الوطن في آن معا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية