الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يجب الاعتراف أولاً بأن معدلات الإنفاق العام في دول الخليج العربية (لا سيما السعودية والإمارات)، هي عالية في أيام الازدهار الاقتصادي العالمي وانكماشه. وإذا كان هناك جزء من هذا الإنفاق يخصص للتنمية الشاملة التي تستند إلى استراتيجيات واضحة، فإن جزءاً آخر منه، لا يزال أقرب إلى الإنفاق الاستهلاكي. وفي أيام المحن، تقوم الحكومات عادة بكبح جماح الإنفاق، إلى أن تتضح الصورة، وتظهر ملامح الطريق، وتتبدد المخاوف، سواء كانت محلية أو دولية فكلنا يعرف أنه ليس هناك اقتصاد في هذا العالم يمكنه مواصلة حراكه بمعزل عن ''العجلة'' الاقتصادية العالمية. صحيح أن آثار الأزمة الاقتصادية العالمية في منطقة الخليج العربي لم تكن بفداحة آثارها في الدول الكبرى والصغرى على حد سواء، لكن الصحيح أيضاً أن لدى دول الخليج سلعة أساسية (وهي النفط)، تقوم على أركانها اقتصادات المنطقة، على الرغم من تنامي ما أصبح يعرف منذ سنوات بحركة البحث عن مصادر أخرى للدخل الوطني. ولكن – حتى الآن - لا تزال هذه السلعة، تحتل جزءاً أصيلاً من مكنونات الاقتصادات الخليجية، وفي مقدمتها بالطبع اقتصادا السعودية والإمارات.

من ضمن الفروقات بين دول الخليج العربية، والدول الكبرى الأخرى، أن الأولى (على عكس الأخرى) لا تعاني عجزا قاتلا في ميزانياتها، ولا ترزح تحت وطأة ديون حكومية (سيادية) تقض مضاجعها. لكن هذا لا يعني أن مواصلة سياسة الإنفاق في كل الأزمنة، لا تلفها المخاطر، خصوصاً مع عدم وجود ضمانات باستمرار النفط كمصدر أساس للطاقة إلى ما لا نهاية، وقبل هذا وذاك، لا أحد يضمن استقرار أسعار هذه المادة الحيوية والحياتية عند مستويات تُمكن القائمين على السياسات الاقتصادية في دول الخليج من مواصلة الإنفاق العام، دون منغصات أو مطبات. وهذا لا يعني بالضرورة شَل الإنفاق العام، إلى أن تتضح معالم المستقبل الاقتصادي، بل يعني مواءمة الإنفاق مع حقائق الدخل، المُعرَض دائماً لمعايير العرض والطلب، ولا سيما في زمن كساد عالمي، لم يظهر أحد بعد يُمكِنه أن يحدد أجلاً مسمى له فهذا الأمر لا يزال مرتبطاً بنظام اقتصادي عالمي جديد، يتشكل ببطء، لكن تشكيله لم يكتمل بعد.

وعندما يشير صندوق النقد الدولي إلى ضرورة ضبط الإنفاق الخليجي، فهو يستند إلى تجربة مريرة، في انفلات الإنفاق في الدول الغربية، الأمر الذي ولّد أزمة من رحم الأزمة الكبرى، طرحت بدورها احتمالات انهيار اقتصادات عريقة وراسخة. وعلى الرغم من تعديل ''الصندوق'' توقعاته بالزيادة للنمو غير المرتبط بالنفط في دول مجلس التعاون من 4 إلى 4.3 في المائة، في أيار (مايو) الماضي، إلا أن مصادر الدخل غير النفطية في هذه الدول لا تزال دون مستوى آمال الخليجيين، حكاماً وشعوباً. ومع عدم ضمان استقرار أسعار النفط عند الحدود المنطقية والعادلة بـ 75 دولارا أمريكيا للبرميل الواحد، تتكرس أهمية إعادة النظر بسياسة الإنفاق العام، دون النيل من حركة التنمية الشاملة والاستراتيجيات التي وضعت بهذا الشأن فاستمرار الركود العالمي، أو لنكن أكثر تفاؤلاً ونقول: تواضع النمو العالمي الهش، سيُبقي على جمود قطاعات صناعية وخدمية وتنموية في العالم، وسيُبقي معه الطلب على النفط في حدوده الدنيا، ومن البديهي في هذه الأجواء أن تتأثر أسعار النفط سلباً، وتزيد من حدة الضغوط على الموازنات العامة للدول المصدرة له.

لا أحد يُمكنه إيقاف الإنفاق العام، ولكن – وحسب التجارب التي جلبها التاريخ – يمكن تأجيل كثير من المشاريع (أو بعضها) التي تعتمد على هذا النوع من الإنفاق، إلى أن تتوافر الظروف المناسبة. وهذه الظروف ليست متوافرة الآن، ولن تكون ملائمة، حتى تتضح معالم الطريق أمام الاقتصاد العالمي ككل، الذي يعاني حالة عدم التوازن، خصوصاً أن مخاض الأزمة، لم ينته بعد، ولا يبدو أنه سينتهي في المستقبل المنظور، حتى إن رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي من 4.2 إلى 4.6 في المائة للعام الجاري.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية