لأنه يمارس السياسة تحت الشمس وبمنتهى الشفافية، ولأنه الزعيم الذي تفرد بالسمو والتعالي على كل مفردات الصغائر والخلافات الوقتية في سبيل تحقيق مصالح أمته، وجمع كلمتها، ورص صفوفها .. لأنه كذلك وأكثر، فقد عبر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـــ يحفظه الله ـــ أربعة مطارات عربية في غضون ثلاثة أيام فقط، في مسعى لا يليق إلا بالكبار لتمتين أطر الوحدة العربية، وتنقية أجوائها، وإبعاد شبح النزاعات، خاصة في ظل التطورات الجديدة التي أعقبت الحديث عن القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية، والجدل السياسي الواسع الذي حدث بين بعض القيادات السياسية اللبنانية بلغة حادة تشي بتوسع رقعة الخلاف، وامتدادها ـــ لا سمح الله ـــ إلى آفاق أبعد، وتحديدا بعدما استثمر هذا الجدل من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية لإشعال الفتنة خدمة لأجنداتها المختلفة.
كان المشهد في القاهرة وفي دمشق وفي بيروت وفي عمان بحضور زعيم التضامن العربي، وبما يملكه من أرصدة الثقة سواء على مستوى القيادات أو الشعوب، أشبه ما يكون بالناظم الذي يعيد ترتيب حبات العقد العربي، ويضبط تموضعها في الاتجاه الصحيح لتنأى بنفسها عن أفن الشقاقات والخلافات .. ولتذهب جهودها صوب قضيتها المركزية، وتعيد قراءة وتذكر قواسمها المشتركة .. عوضا عن الانزلاق في حمى الملفات الإقليمية أو حتى الدولية بما يخدم مصالح الأعداء، ويمزق الأمة. وهذا المشهد الذي نقلته الشاشات مباشرة، ورصدته الصحافة، وتجاوز به عبد الله بن عبد العزيز كثيرا من بروتوكولات الزيارات الرسمية، إمعانا في إعطائه صفة التلاحم العربي الذي يشكل حلم كل مواطن على هذه الأرض من المحيط إلى الخليج .. جاء ليضخ مزيدا من الرسائل سواء للداخل العربي أو للخارج عموما .. إن هذه الأمة وبوجود زعامة بهذا الحجم قادرة ـــ بمشيئة الله ـــ وبإرادة قياداتها وشعوبها على الانعتاق من كل تلك المخاطر مهما كان حجمها، وإعادة ترتيب أوراقها، بما يرفعها إلى مستوى مسؤولياتها القومية أيا كانت الاعتبارات، ووصوله إلى مطار رفيق الحريري في بيروت مع شقيقه الرئيس السوري بشار الأسد، وفي طائرة سعودية واحدة .. قادمين من دمشق .. ما هو إلا تأكيد حقيقي لهذا المفهوم الذي تلقفه كل الفرقاء اللبنانيين على أنه أبلغ رسالة في التضامن العربي، والحرص على وحدة لبنان، وعدم تركه في مهب الصراعات الإقليمية والدولية. وقد عبر عدد من الساسة اللبنانيين ومن كل التيارات عن هذا المعنى الذي قل أن يتكرر، لذلك هو يحدث الآن بروح البيت العربي الواحد لأن ثمة من يستطيع أن يقيم القدوة فيه وفي أروع وأنبل مقاصدها بوجود زعامة لها قامة عبد الله بن عبد العزيز .. الذي يعرف الجميع أنه لا يتحرك هنا أو هناك ليسجل موقفا، أو ليصنع حدثا يأخذه الإعلام إلى لجة الضجيج، وإنما يتحرك حينما يدرك بحنكته وشعوره بمسؤوليته العربية أن التحرك أصبح مطلبا لرأب الصدع، أو وأد الفتنة لتجنيب أبناء أمته كل ما يُحاك لها من الضغائن والأحقاد والأطماع.
والموقف السعودي الذي ظل على الدوام يحتفظ بمسافة واحدة مع الجميع، في كل قضايا الأمة، والذي أضفى عليه الملك عبد الله بعدا وجدانيا ينبع من صميم شخصيته العروبية، الضاربة في النقاء السياسي .. هو المعادل الموضوعي الثابت للغيرة على مقدرات الأمة، والإيمان بإمكاناتها المتاحة لإعادة بناء جسور التواصل فيها، وتخطي كل الصعاب طالما توافرت الحكمة القادرة على فعل هذه المعطيات .. في جو تسوده الثقة والمحبة، والسعي الأكيد نحو صياغة المستقبل بعيدا عن هواجس الاختلاف. وهذا ما سيتحقق ـــ بإذن الله تعالى ـــ في ظل هذا الحضور المتميز للتضامن الذي يتجسد اليوم جسدا وروحا في شخص هذه الزعامة المتفردة التي تحظى باحترام الجميع في مختلف العواصم التي استقبلت في عبد الله بن عبد العزيز ضمير الأمة ووجدانها الحي.
