بحسب تقديرات وزيرة المال، من المتوقع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2010 أكثر من 33 مليار دولار في حين أنه لم يتعد أكثر من 20 مليار دولار منذ ست سنوات، كذلك من المتوقع أن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نسبة 8 في المائة، فتصبح قيمة هذا الناتج المحلي الإجمالي نحو 36 مليار دولار بحلول نهاية السنة. ومن المتوقع أن يصل العجز في الحساب الجاري، الذي هو عبارة عن مجموع الميزان التجاري والدخل وصافي التحويلات الجارية 15.2 في المائة بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان، وأن يرتفع العجز العام المتوقع في موازنة 2010 من 3.25 مليار دولار، أي 8.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2009 إلى 3.7 مليار دولار أي 10.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يبلغ التضخم 4 في المائة في نهاية 2010، وأن يرتفع الدين العام من نحو 51 مليار دولار عام 2009 إلى 55 مليار دولار هذا العام، أي ما نسبته 148 في المائة من قيمة الناتج المحلي، علماً أن 44 في المائة من الدين العام هو بالعملات الأجنبية.
ولكننا إذا استطلعنا فرص الاستثمار الكبيرة في لبنان واستفدنا من عوامل قوة القطاع النقدي اللبناني وعنصر الثقة لوجدنا أن لبنان باستطاعته أن يكون مركزا مثاليا لمزاولة الأعمال مع العالم العربي، والدليل على ذلك أن الرساميل الوافدة إلى لبنان بلغت خلال الفصل الأول من عام 2010 حدود 4.4 مليار دولار، بزيادة 65 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2009، واستمر التحويل الشهري من الدولار إلى العملة اللبنانية في حدود المليار دولار. ما أدى إلى تراجع نسبة الدولرة في الاقتصاد إلى حدود 66 في المائة نتيجة استمرار الطلب على الليرة اللبنانية. كذلك سجل التضخم في الربع الأول من هذا العام نسبة منخفضة مقدارها 1.24 في المائة، وبلغ حجم المبيعات العقارية 2.1 مليار دولار في الفصل الأول من عام 2010، بزيادة 41 في المائة عن الفترة عينها من العام الماضي. وأرقام الميزانية المجمعة للمصارف ارتفعت إلى ما يقارب 121 مليار دولار، فيما ارتفعت موجودات القطاع المصرفي إلى نحو 100 مليار دولار، وسجّل العام الماضي دخول ودائع جديدة إلى لبنان تجاوزت قيمتها الإجمالية 20 مليار دولار. كذلك فإن المصارف وظّفت نحو خمسة مليارات دولار من أصل 11 مليار دولار أي من قيمة الزيادة في الودائع الناتجة عن النشاط الاقتصادي كقروض للقطاعين العام والخاص. ونحب أن نلفت النظر إلى أن ثلث ودائع المصارف يذهب إلى تمويلات للقطاع الخاص، والثلث الآخر إلى شراء سندات حكومية لبنانية، والثلث الأخير يتم الاحتفاظ به كسيولة مطلقة. وارتفع احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية إلى 30.392 مليار دولار، كما ارتفع احتياط مصرف لبنان من موجودات الذهب ليبلغ 11.281 مليار دولار، ووصل مجموع موجودات المصرف المركزي إلى 57.969 مليار دولار، في حين سجل ميزان المدفوعات في الربع الأول من عام 2010 فائضاً بلغ 1.2 مليار دولار مقابل 298 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2009، أي بزيادة 680 مليون دولار، وهذا الفائض هو الأكبر لميزان المدفوعات اللبناني منذ سنوات. كما سجل مؤشر النشاط الاقتصادي 264،5 نقطة في آذار (مارس) 2010، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق.
ولكن على الرغم من ذلك قوّمت وكالة التصنيف الائتماني العالمي «موديز» أخيراً أفق المصارف اللبنانيّة بأنه «مستقر»، غير أنها أشارت في الوقت نفسه إلى مجموعة من المخاطر، بعضها سياسي أمني بمفاعيل مالية نقدية، وبعضها الآخر له علاقة بهيكلية أعمال تلك المصارف، فاعتبرت أن توظيفات الدين السيادي تزداد هشاشة، فيما تضعف مؤشرات الملاءة والربحية والفوائد. ويقول تقرير الوكالة الأمريكية إن «الانكشاف الكبير للمصارف اللبنانيّة على الدين السيادي يرفع مستوى مخاطرها»، خصوصاً أن التصنيف الائتماني الممنوح للبنان هو عند مستوى «B2». وتمثّل التوظيفات في الدين السيادي، إضافة إلى الودائع لدى المصرف المركزي، 56 في المائة من أصول المصارف التجارية، التي أضحت في نهاية عام 2009 تمثّل، بحسب التقرير، 300 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، حيث بلغت قيمتها 124 مليار دولار. ويضيف التقرير أنه «نظراً إلى اعتماد الحكومة اللبنانية في تمويل دينها الضخم على المصارف المحلية، ونظراً إلى مصلحة النظام المصرفي في الاستقرار النقدي، فإن السندات الحكوميّة ستبقى تمثّل عنصراً كبيراً في ميزانيّات المصارف اللبنانية». وهذه الحلقة تحديداً «تمثّل المصدر الأكبر لتركّز الخطر الائتماني». كما أن صندوق النقد الدولي انتقد سياسة امتصاص السيولة التي تكلف 1.3 مليار دولار سنوياً على النحو الذي طُبقت على أساسه، ما أدى إلى رفع دفعات فوائد الدين العام بنسبة 17 في المائة لمراكمة الاحتياطات.
إلا أن وكالة التصنيف الأمريكية لم تميز بين الدين العام بالليرة والدين العام بالعملات الأجنبية، فالدين العام المحرّر بالعملات الأجنبية في لبنان لا يمثّل أكثر من 17 في المائة من ميزانيات المصارف بالعملات الأجنبية. وفترة استحقاق سندات الاقتراض بالعملات الأجنبية تبلغ أربعة سنوات ونصف، على خلاف فترة استحقاق سندات الخزانة بالليرة التي هي سنة ونصف. كذلك فهناك تغطية تصل إلى 100 في المائة للدين العام بالليرة وسيولة بالليرة أيضاً تفوق نسبة 75 في المائة من استثمارات المصارف. ثم إن المصرف المركزي ركّز أخيراً على خفض وتيرة تدفق الودائع، عن طريق خفض معدلات الفائدة، باعتبار أن الاحتياطي بالعملات الأجنبية وصل الآن إلى مستوى مريح. ولكن مع الإبقاء على تدفقات مالية نحو لبنان قادرة على تمويل الاقتصاد اللبناني في ما يتعلق بالقطاعين العام والخاص. ذلك أن مصرف لبنان استفاد من انخفاض الفوائد عالمياً، ومن زيادة السيولة في لبنان، ومن توجه هذه السيولة إلى التوظيف بالليرة اللبنانية للاستفادة من نسبة الفوائد العالية، ما أدى إلى انخفاض في بنية الفوائد بحدود الـ 3 في المائة خلال الأشهر الـ 12 الماضية، فانخفضت نسبة الفوائد على الليرة اللبنانية من بداية عام 2010 حتى اليوم إلى 7 في المائة، بينما كانت تراوح بين 8 و9 في المائة في السنوات الماضية، وهذا الأمر أمّن وفراً في خدمة الدين العام وفي القطاع الخاص.
إنما ذلك لا يعفي الحكومة من وجوب قيامها بإطلاق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية خلال الفترة القادمة، سعياً منها إلى مزيد من خفض الدين العام، الذي تعد نسبته إلى الناتج المحلي الداخلي من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم. ولكننا في الوقت نفسه نثني على السياسة المالية التي اعتمدت أخيراً من أجل الحفاظ على أولويات اللبنانيين، فلم تقم بزيادة الأعباء الضريبية على الطبقة الفقيرة والمتوسطة منهم، كرفع الضريبة على القيمة المضافة، وعلى العقارات التي لا تزيد قيمتها على 750 مليون ليرة لبنانية، في حين رفعت الضريبة على الفوائد المصرفية بنسبة قليلة لا تجاوز 2 في المائة. كما أنها ركّزت على زيادة الإنفاق الاستثماري على التقديمات الاجتماعية والصحية والتعليمية بما يوازي 200 مليار ليرة لتصل إلى 1200 مليار ليرة، ستتم تغطيتها من حجم النمو المرتقب خلال العام الجاري، ومن خلال مشاركة القطاع الخاص في عملية التمويل، إضافة إلى القروض الميسرة من الصناديق العربية والدولية. كما ندعو الحكومة إلى العمل وبسرعة من أجل تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل والخدمات وإنجاز إعمار البنى التحتية لتوفير بيئة جاذبة لاستثمارات تنعش الاقتصاد اللبناني، وهذه الأمور تتطلب رؤية واضحة تُبنى على أساسها سياسة وخطط اقتصادية تكون مرتكزاً لآليات التنفيذ، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي والاجتماعي. من جهة أخرى، يجب ألا تبقى الموازنات العامة تعبيراً عن توزيع إيرادات الدولة على أبواب مختلفة من دون تحديد الأولويات ومن دون مقارنات ووسائل قياس وتقييم. كما أن تشجيع القطاع الخاص وعرض سياسة الشراكة بما يضمن ديمومة العمل المشترك وتحويل المسؤوليات لإنعاش هذا القطاع المعطل يعد من أهم التحديات في المرحلة المقبلة، إذ من غير المعقول التعويل على الاستثمار مع وجود قطاع خاص محلي غير قادر على المشاركة، وهذا يتطلب تفعيل القوانين الاقتصادية المنجزة مثل إقرار قانون الشراكة مع القطاع الخاص، وقانون متطور للأسواق المالية. وندعوها أيضاً إلى إيجاد آلية فاعلة لخفض عجز مؤسسة كهرباء لبنان المدعومة من خزانة الدولة لسنتي 2010-2011، لأن هذا العجز يستهلك 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي أي ما يعادل1.2 مليار دولار، والإصلاح في هذا القطاع هو المدخل إلى تخفيض العجز السنوي المتوقع أن يبلغ مقداره 3.7 مليار دولار في نهاية هذا العام.
