في قطاع النقل الجوي يبدو أننا بدأنا متأخرين في صياغة الرؤية المستقبلية التي تتوافق وروح العمل التجاري والاستثماري ودعم التوجه نحو الخصخصة، التي هي أكبر من مجرد التحول نحو طرح أسهم للاكتتاب، فالمطلوب هو العمل بروح تجارية تستغل الموارد الاستغلال الأمثل وتضع مبدأ جودة الخدمة في الأولويات مع ترتيب الربحية وتحقيق عائد مادي. أيضا يجب عدم نسيان أن القطاع الحكومي قام بواجبه خير قيام في مرحلة كان الدور له بالكامل، واستطاع أن يحقق نقلة كبيرة في التنمية وفي كل المجالات، ومنها خدمة النقل الجوي، وتهيئة المطارات، والعمل على ربط مناطق المملكة الشاسعة، وتسهيل الانتقال رغم ما هنالك من تكاليف مادية وعدم وجود مردود ربحي.
لقد أصبحت الآمال تسابق الزمن وما يمكن تحقيقه في عقد نريد إنجازه في سنوات أو أشهر، لأننا نهوى أن نجري المقارنة وننسى أن التحول نحو استثمار الموارد بفكر تجاري يجب أن تصاحبه نقلة ذهنية تتخلص تدريجيا من الروتين الملازم لكل مشروع يحتاج إلى تمويل حكومي، بل الأهم أن التخطيط ليس مجرد هدف يسير يتم رسمه على الأوراق، فهو في الواقع حجر الأساس الذي نبني عليه التحول نحو الفكر الاستثماري، وقد يكون القانون عقبة لأنه يعبر عن صياغة جامدة لمرحلة لم تعد تساعد على الوصول إلى الضفة الأخرى.
إن من غير المفيد توجيه النقد والبحث عن متسبب في عدم مواكبة مطاراتنا مستوى الخدمة التي يراها المسافر ملائمة لإمكاناتنا المادية والبشرية وحجم الطلب على خدمة السفر جوا سواء داخليا أو خارجيا، فهناك مرحلة انتقالية لا تزال تعيشها القطاعات الحكومية العاملة في قطاع الطيران المدني، وهي تحاول جهدها للوصول إلى الوضع المثالي الذي يرضي القائمين عليها، وفي الوقت نفسه يرضي المسافر ويخفف عنه عناء السفر ويقرب المسافة بين الواقع والمأمول، والجهود المبذولة حققت إنجازات فعلية من العسير جدا إنكارها أو التقليل من إيجابيتها، وهي خطوة أولى في سبيل إتمام المشروع الضخم لتحسين مستوى المطارات.
وللمواطن والمقيم الذي يبحث عن رحلة جوية من بعض المناطق التي يجد المسافر منها معاناة في السفر جوا، الحق في التذمر من الاضطرار إلى السفر برا أو إلغاء برنامج سفره، حيث يجب البحث عن حلول ملائمة لشريحة المسافرين من المطارات التي لا تشكل الرحلات الجوية منها مردودا ماديا لشركات الطيران، لأن هؤلاء المسافرين منهم المرضى والطلبة ورجال الأعمال ومن حقهم تأمين رحلات جوية وليس البحث عن ذرائع ومبررات مهما كانت مقبولة في العرف التجاري.
مما لا شك فيه أن كل المعوقات والطموحات هي في أجندة المسؤولين عن الطيران المدني سواء في "الهيئة" أو في "الخطوط السعودية"، ورغم ما قدموه من إنجازات لا يمكن إنكارها، ومنها التحسينات في مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، إلا أن الأمل فيهم أن يحققوا نقلة كبيرة في مشاريع المطارات وفي خدمات النقل الجوي.
إن عامل الوقت مهم في أي إنجاز، والمؤمل أن نحقق قفزة خلال خطة التنمية الحالية التي بدأت هذا العام، لأن زيادة الطلب على السفر جوا تجعل ما ننجزه حاليا غير كاف في المستقبل القريب، مما يؤثر في رضا العملاء، فعدد المسافرين على الرحلات الداخلية يقدر بأكثر من 12 مليون مسافر، بينما حجم الطلب يتجاوز 18 مليون مسافر، ولنا أن نتصور الوضع مستقبلا ومدى تأثيره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولعل هيئة الطيران المدني تستطيع في القريب العاجل أن تتحول بالكامل نحو العمل وفق معايير تجارية، وأن تحقق لنفسها الاكتفاء من خلال مواردها المالية لتنطلق في تشغيل واستثمار مطاراتنا، مستفيدة من تجارب كثير من دول العالم التي نفوقها في قدرة الإنسان السعودي وكفاءته وإخلاصه لوطنه، الذي نراهن عليه لنجاح جميع المرافق الخدمية للدولة.
