الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لقد أصبحت الحكومة الإلكترونية مقولة تتداولها الألسن في كل المجتمعات وعلى جميع المستويات، حتى باتت تلك المقولة تاريخا مضى عليه عهد ليس باليسير وغير قابل للتطبيق؛ وذلك لأن البيروقراطية الحكومية تمنع إدخال مثل هذا النظام والسبب جدٌ بسيط ومفهوم للبعيد قبل القريب، وهو أن القابعين على كراسيهم قد مضى عليهم وقت طويل الأمد ولم يعاصروا التقنيات الحديثة ولم يكلفوا أنفسهم العناء بأخذ دورات تقنية لكي يُعاصروا الجيل الحالي؛ ولذلك فهم ليسوا على استعداد أن يُغيروا أسلوبا ونمطا معينَين عشعشت في رؤوسهم سنوات عدة قد تتجاوز الثلاثين عاما. فهل لدينا البنية التحتية لإدخال هذا النظام؟ وكيف يمكن تطبيق هذا النظام دون إخلال ببيروقراطية الحكومة؟ تلك الأسئلة وغيرها الكثير، التي في اعتقادي، تسهل الإجابة عنها من منظور إداري وليس تقنيا؛ فأهل مكة ــ كما يُقال ــ أدرى بشعابها.

تلك المقدمة ــ وللأسف ــ تُعبر عن النصف الفارغ من الكأس الذي تُعاني منه جلّ وزاراتنا الحكومية، لكن ماذا عن النصف الممتلئ الذي يتزعمه وبكل اقتدار جهات حكومية وخاصة، يقف على هرمها قياديون مغرمون بالتقنية، طبقوها بحذافيرها؛ رغبة منهم في تنفيذ الأوامر السامية التي صدرت بهذا الخصوص من جهة، ولمواكبة العصر الحديث الذي أصبح يسابق الزمن في تطبيق التقنية الحديثة في جميع أنواع الاتصالات. ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر شركة الاتصالات السعودية، التي حصدت أخيرا جائزة الشرق الأوسط للتميز لمزودي الخدمات الإلكترونية، وكذلك الهيئة العامة للسياحة والآثار، التي حصلت كذلك على جائزة أفضل بوابة إلكترونية في مجال المعرفة والمعلومات التي منحها أخيرا معهد جائزة الشرق الأوسط للتميز في دبي.

إن الرؤية الثاقبة والحكيمة من أعلى سلطة في هذه البلاد كانت مصيبة عندما قامت برمي الكرة في ملعب القائمين على الأجهزة الحكومية، وذلك بإصدار رئيس مجلس الوزراء للتعميم رقم 7 / ب / 26345 وتاريخ 19 / 12 / 1422 هـ ببناء قواعد معلومات لأعمالها للاستفادة منها في تسهيل المعاملات مع الأجهزة الحكومية. ثم تبع ذلك تغيير اسم وزارة البرق والبريد والهاتف إلى وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بموجب المرسوم الملكي رقم أ / 2 وتاريخ 28 / 2 / 1424 هـ. تلى ذلك صدور الأمر السامي الكريم رقم 7 / ب / 3318 بتاريخ 10 / 7 / 1424 هـ بتكليف وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بإنشاء برنامج التعاملات الإلكترونية بهدف رفع إنتاجية وكفاءة القطاع العام وتقديم خدمات أفضل للأفراد وقطاع الأعمال وزيادة عوائد الاستثمار وتوفير المعلومات المطلوبة بدقة عالية وفي وقت سريع ومناسب. تلك القرارات والتوصيات تجيب عن تساؤلنا عما إذا كان لدينا البنية التحتية المناسبة؛ ما يعني أن القيادة الحكيمة لم تغفل هذا الجانب المهم إذا أرادت تطبيق هذا النظام.

صدر بعد ذلك قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 110 وتاريخ 15 / 4 / 1425 هـ القاضي بالموافقة على القواعد المنظمة لمشاركة القطاع الخاص في الأعمال الإلكترونية بآلية معتمدة وقواعد منظمة لتلك القفزة النوعية في النظام الحكومي؛ ولذلك كان إنشاء برنامج التعاملات الحكومية الإلكترونية (يسر) عام 1426 بمشاركة وزارة المالية وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات لكي يقوم بتطبيق التعاملات الإلكترونية الحكومية ويقلل من المركزية في تطبيق المعاملات الحكومية بأقل قدر ممكن. وهذا القرار كان تمهيدا للأمر السامي رقم 40 وتاريخ 27 / 12 / 1427 هـ بإقرار ضوابط تطبيق التعاملات الإلكترونية الحكومية وتأكيده على اعتبار المعلومات والبيانات الحكومية ثروة وطنية يجب على جميع الجهات الحكومية تنميتها وتصنيفها وفق مستويات ومواصفات استرشادية موحدة وتفادي التكرار والازدواجية في حفظ الوثائق. ثم تلى ذلك صدور نظامي مكافحة جرائم المعلوماتية والتعاملات الالكترونية بالمرسوم الملكي رقم م / 17 بتاريخ 8 / 3 / 1428 هـ، الذي أوضح الأنظمة كافة التي سُنت لتُنظم استخدام التقنية الالكترونية، وهذا يعني أن الإرادة الحكيمة ارتأت تطبيق نظام الحكومة الإلكترونية لتسهيل المعاملات ولسرعة تنفيذها من دون إخلال بالبيروقراطية الحكومية، وهذه الأنظمة والقوانين في مجملها إجابة عن السؤال الآخر الذي طُرح في مقدمة هذا المقال.

إن حصول شركة الاتصالات السعودية على جائزة الشرق الأوسط للتميز لمزودي الخدمات الإلكترونية يأتي بناءً على التوجيهات السامية الكريمة التي ما فتئت تنادي بتطبيق هذا النظام، الذي سبقتنا إليه دول وشعوب لا تضاهى بنا على الإطلاق، وكذلك لما حققته من تميز وتطور في مجال الخدمات الإلكترونية لمواكبة التنافسية العالمية في مجال التقنية الإلكترونية وتتبع أفضل الإبداعات المتعلقة بالحكومة والتعاملات الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وذلك من خلال البرامج والخدمات المختلفة التي تتبناها الشركة والتي تسعى إلى أن تُطبق الجديد من تلك الأنظمة؛ لما فيه من مصلحة للشركة والفرد على حد سواء؛ ولأنها، وكما أعلم من بعض المسؤولين فيها، قد طبقت التعاملات الإلكترونية داخلها ومن سنوات عدة، وتم التعميم بإيقاف التعامل الورقي بالكامل داخل الشركة ومع جميع المتعاملين والمتفقين معها في التوجه نفسه، هذا إضافة إلى النظام الآلي الذي تتم به خدمات العميل الداخلي لديها التي نقلتها إلى عديد من قطاعات الدولة الحكومية وشبه الحكومية والخاصة.

إن حصول الشركة على جائزة التميز لهي رسالة واضحة إلى القطاع الخاص بأسره بإتباع النهج نفسه التي تتبعه الشركة في سبيل تحسين الأداء المؤسسي من خلال التقنية الحديثة والمتطورة عبر الاستخدام الأمثل للخدمات الإلكترونية وتطبيقاتها من قبل الشركات والمؤسسات، وهذا بلا شك يهدف إلى استباق توقعات العملاء، وبالتالي تقديم أفضل وأسرع الخدمات للجمهور المستهلكين والمستفيدين من هذا التطور والتميز التقني الذي تسهم شركة الاتصالات في جعله واقعا مثاليا لجميع التعاملات الحكومية والشخصية. كما أن حصول الهيئة العامة للسياحة والآثار وهي الجهاز البكر والأحدث ضمن قطاعات الدولة على جائزة أفضل بوابة إلكترونية في مجال المعرفة والمعلومات لتحمل في طياتها عديدا من التساؤلات لمؤسسات القطاع العام في عدم تنفيذ الأوامر السامية التي نظّمت وقنّنت وسهّلت من تطبيق النظام الحكومي الإلكتروني.

وفي الختام، فإن ما ذكر لا يعني عدم وجود ذلك في مؤسساتنا العامة والخاصة، لكنه يؤكد أن اليقين بشمولية التعامل الإلكتروني لا يزال متدنيا إذا قارناه بما هو مطلوب من المواطن وتتطلع إليه الدولة وهي فرصة سانحة في ظل الوضع الاقتصادي الرائع الذي نعيشه في هذه السنوات أن ننطلق بجهد لا يعرف الكلل وعزيمة لا يخالطها الملل ونجعل من واقعنا اليوم قاعدة تشكرنا عليها الأجيال القادمة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية