الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تعمد الشركات ومخازن البيع عند نهاية كل عام إلى عملية معروفة جدا تسمى "الجرد", التي تعني إحصاء الموجود بأنواعه ومعرفة المفقود بأسعاره سواء من خلال البيع أو التلف أو الاختفاء بطريقة ما، غالبا ما تكون سطوا أو سرقة وما شابههما من أعمال غير شرعية.

الأمر نفسه تقوم به الأجهزة الحكومية والشركات على نحو آخر لتعرف ما لديها من تجهيزات مكتبية وأدوات عمل ومعدات كي تحدد في ضوئها احتياجاتها في ميزانية العام المقبل.

هناك حاجة ماسة إلى الاحتذاء بعملية "الجرد" هذه في مجريات عمليات التنمية كي نقف على حقيقة الموقف فيما خططنا له واعتمدناه, وما مدى نجاحنا في ترجمة مشاريعنا وبرامجنا، ومدى اتساقنا وتطابقنا مع المهام المرسومة لنا في هذا المجال أو ذاك القطاع.

إن الاكتفاء بـ "جردة" الأثاث لمعرفة ما نريد إضافته أو الاستغناء عنه في الدوائر الحكومية على وجه الخصوص، يبدو مسألة تقع في قلب اهتمام كل جهة خشية أن يطول ميزانيتها للعام المقبل نقص في الاعتماد الذي غالبا تزيد فيه, وهي لذلك تستنفد كل قرش في ميزانية العام الماضي لتبرر به تعاظم احتياجها, ولو كان ذلك لأمور شكلية كالديكور وتبديل المكاتب بأفخر منها, أو إضافة مبان أو ترميم أو استئجار في غير احتياج حقيقي وعملي إليها.

المطلوب هو "جردة" حساب على فاعلية العمل وتقويم أداء الجهة ومدى قدرتها على رفع كفاءتها الإنتاجية والارتقاء بجودتها ونوعيتها, الأمر الذي يعني إدخال "الجرد من أجل الميزانية" كسمة سلبية تعمل ضد الكفاءة في استخدام الموارد المالية وضد الجودة في أداء المهام وعكس الشفافية تماما.

الجهات الحكومية تحتاج إلى نظام لتقويم الأداء تصحح فيه الاختلالات والسلبيات وتدعم الخطوات الإبداعية والابتكارية والجهود المخلصة والكفؤة .. ونظام التقويم هذا لا يدخل في نطاقه تلك الحالة الروتينية التي تخضع لمزاجية الرؤساء في تقدير درجات هذا الموظف أو ذاك بقصد الترقية أو حجبها عنه، هذا الأسلوب العقيم مهما كانت محاولات الحياد والمصداقية في أن يأخذ كل موظف حقه ستظل العدالة والاستحقاق في منطقة الهوى والرضا عند لجان الترقيات أو بعضها, ما يعني اهتزاز هذا الأسلوب طالما معياريته معلقة بالعواطف وليس بشهادة الإنجاز التي لا تحتاج إلى عاطفة شخص ما.

إن نظام التقويم الذي يكشف عن المنجز الفعلي وليس (البهلواني) أي الإعلام سواء بما يمارسه بعض الموظفين من إيهام بأنهم يقتلون أنفسهم بالعمل وهم مجرد متسلقين ومتزلفين على أكتاف الزملاء ويجيدون حرف النتائج لمصلحتهم, أو ما قد تبديه الجهة نفسها أحيانا من إيضاحات وتصريحات وأقوال ومزاعم ووعود حول أنها ـــ مثلا ـــ عاكفة على إنجاز أعمال كبيرة، مراهنة على أن الناس بذاكرات طردية تنسيها الأيام تلك الوعود!

وإذا كان ديوان المراقبة العامة يقوم بالرقابة المالية والرقابة الفجائية على دوام موظفي القطاع العام (حسب التساهيل!) فيما تقوم وزارة الاقتصاد والتخطيط بالمتابعة لمشاريع الجهات, فإن هذا لا يقدم كشفا أو جردة لإيقاع العمل الفعلي بالجهة وحجم الإنجاز على مستوى القوى البشرية فيها وعلى مستوى برامجها ومشاريعها وعلى مستوى دورها في رفع الإنتاجية والكفاءة وتشكيل إضافة نوعية في اقتصاد الوطن. لعل الحاجة إلى نظام لتقويم الأداء في الجهات الحكومية تستدعي إيجاد آلية تحكم نظام تقويم الأداء هذا .. بحيث يتم وضع نماذج تتفق مع طبيعة كل جهاز، تستقبل هذه النماذج الحصاد الفعلي للمنجز سواء كان هذا المنجز تحريريا فكريا أو كان فيزيقيا مجسدا على الطبيعة بحيث يرتبط الإنجاز باسم الشخص أو الأشخاص الذين عملوا عليه حقيقة وأسهموا في إبرازه بما يحفظ لكل ذي حق حقه ويحفظ للجهة نفسها حقها أيضا.. نقول هذا على سبيل المثال, وإلا فإن أمر إيجاد نظام لتقويم الأداء لأجهزة الدولة يحتاج إلى أن يناقش في مجلس الشورى للبحث فيه شكلا ومحتوى, وفي الجهة التي يمكن أن تتولى إدارته أو الإشراف على صياغته .. فمثل هذا النظام للتقويم سيجيب عن العنوان أعلاه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية