وقَّعت تايوان في 30 حزيران (يونيو) اتفاقا يعد بمثابة معلم بارز على صعيد التعاون الاقتصادي بين الجانبين. ولم تشهد السنوات الـ60 الماضية مثل هذا التلاقي للعقول بين الطرفين. وجاءت هذه الاتفاقية تحت اسم ''اتفاقية إطار التعاون الاقتصادي''، حيث ستتمتع تايوان بتخفيضات جمركية على 579 منتجا يتم تصديرها إلى الصين، وهو الأمر الذي يحقق وفرا سنويا لمصلحة مجتمع النشاط العملي في تايوان في حدود مليار دولار. وأما الصين، فستستفيد من تخفيضات جمركية تايوانية على 267 منتجا تصدّرها إلى تايوان. وتناول جانب من مفاوضات الطرفين حقوق الملكية الفكرية، حيث تهتم تايوان كثيرا بهذا الأمر الذي يحقق لها مزيدا من المنافع. وستكون هذه الاتفاقية عاملا مساعدا لتايوان في الوقت الذي تتعافى فيه من الانكماش. ولا تقتصر هذه المنافع على الوقت الراهن، بل إن من المتوقع أن تستفيد منها تايوان في المستقبل كذلك.
الواقع أن تايوان تعتمد بشدة على الصادرات، كما أن الصين تمثل سوق صادراتها الرئيسة، حيث يتم توجيه أكثر من ربع صادرات تايوان إلى الصين. وكانت هذه الصادرات تحقق نموا بلغ 30 في المائة سنويا خلال الأعوام الأخيرة. وتؤكد السلطات في تايوان أهمية استمرار هذا الاتجاه.
من المتوقع أن يبلغ نمو الاقتصاد الصيني في العام الجاري ما نسبته 11 في المائة، مقابل نمو في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان لا يكاد يبلغ ثلث هذه النسبة، بل إن نسبة النمو في الاتحاد الأوروبي يمكن ألا يتجاوز عُشْر نسبة النمو السنوي الصيني. ولذلك، فإن من الواضح أن المستقبل الاقتصادي لتايوان مرتبط بالصين. وتستفيد تايوان من تجارتها مع الصين بأكثر مما تفيد به الأرقام التجارية المجردة. وهنالك تقديرات بأن تايوان استثمرت 150 مليار دولار في الصين. وينظر إلى هذا الرقم بتحفظ، حيث إن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير، إذ تمثل استثمارات تايوان في الصين نصف الاستثمارات الخارجية لها. وهذه الاستثمارات مهمة للغاية، كما أن هذه العلاقات تعزز موقف صادرات تايوان.
أثنت الولايات المتحدة على هذه الاتفاقية التجارية بين الصين وتايوان، كما أبدى مسؤولو الاتحاد الأوروبي ارتياحهم لتوقيعها، ورحبت بالاتفاقية كذلك بلدان عدة في آسيا رأت فيها ما يفيد حرية التجارة، إضافة إلى أنها تخدم قضية السلام في هذه المنطقة من العالم. وتفيد نتائج استطلاعات الرأي في تايوان أن التايوانيين ينظرون بصورة إيجابية للغاية إلى هذا التطور المهم على الصعيد التجاري مع الصين. غير أن أوساط المعارضة في تايوان ترى أن هذه الاتفاقية يمكن أن تعمل على تقويض الديمقراطية، كما أنها لم تفعل شيئا في تغيير الوضع القائم الذي يتمثل في وجود أكثر من ألف صاروخ صيني موجه إلى تايوان، حيث إن ذلك يمكن أن يعرض استقلال البلاد للخطر.
رد الرئيس التايواني، ما، على التهمة الأولى بأن الديمقراطية في بلاده راسخة تماما، وأن بإمكانها أن تواجه التحديات إذا كانت هذه الاتفاقية تمثل تحديا بالفعل.
أما بخصوص التهمة الثانية، فإن الخوف على مصير تايوان يجب أن يتم النظر إليه في سياقه الصحيح. ودخل اتفاق الصين التجاري واسع النطاق مع عدد من دول الآسيان حيز التنفيذ اعتبارا من أول كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، حيث جعل كل أقطار هذه أشد اعتمادا على الصين. ولا بد لكل دولة توقع على مثل هذه الاتفاقيات، أو تنضم إلى منظمة دولية، من أن تقدم بعض التضحيات.
وعلى أية حال، فإن مواطني تايوان ليس بإمكانهم تقرير إذا ما كان بلدهم قادرا على المحافظة على سيادته، حيث تتولى الولايات المتحدة حماية تلك السيادة، بحيث يصعب تصور الاحتفاظ بها إذا تخلت الولايات المتحدة عن موقفها. ويمكن القول إن مزايا الاتفاقية التجارية الجديدة تتفوق على مساوئها المتوقعة.
خاص بـ''الاقتصادية''
حقوق النشر: Opinion Asia
