بدون شك يسرنا أن تحقق المملكة نقلة إيجابية في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة؛ فالمملكة حققت تقدماً في ترتيبها بين دول العالم، إذ تقدمت إلى المركز الثامن في العام الحالي 2010، بعد أن كانت تحتل المركز الرابع عشر في العام الفائت 2009، وهذا يعني تقدمها ستة مراكز وفق التقرير الذي أعدته منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وقد شمل التقرير الذي أعلنت عنه المنظمة في مؤتمر صحافي حول الاستثمار العالمي، ما يؤكد أن هذا المركز المتقدم للمملكة يأتي في ظل استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية وتواصل آثارها السلبية في الاقتصاد العالمي وحركة رؤوس الأموال، التي لم تؤثر في الاقتصاد السعودي، بل وجدت فيه المكان الأنسب للاستثمار.
لقد ركز تقرير "الأونكتاد" على مجموع الاستثمارات الأجنبية الداخلة إلى المملكة خلال عام 2009، التي بلغت 133 مليار ريال، مما أدى إلى ارتفاع رصيد الاستثمارات الأجنبية في المملكة إلى 552 مليار ريال وهو عكس ما يجري في كثير من دول العالم، حيث انخفضت التدفقات النقدية للاستثمارات الأجنبية في العالم عام 2009 بنسبة 39 في المائة مقارنة بعام 2008، حيث كان للأزمة المالية أثرها الواضح والمؤثر ليس في الاقتصادات الوطنية فقط ولكن في مجمل أوضاع الاقتصاد العالمي والتجارة البينية التي كانت النقطة الأضعف في الحلقة المصابة بالبطء والتراجع في كل شيء، بدءاً من حجم الاستثمارات الأجنبية وحتى نسب البطالة.
إن تحقيق مركز متقدم في ميدان التنافس الدولي هو مكسب للاقتصاد السعودي والخليجي عموما الذي يوشك أن يتحول إلى تكتل نقدي واحد في مواجهة تكتلات صناعية وتجارية عريقة تعمل وفق رؤية موحدة واستراتيجية ثابتة رغم الاهتزازات العنيفة، التي يمر بها الاقتصاد الصناعي الغربي في أوروبا والولايات المتحدة وصلابة المنافسة الصاعدة له في آسيا وتفوق بعض منافسيه في إفريقيا ووصولهم إلى مواقع تمثل مخزوناً للطاقة والمعادن والفرص المستقبلية المؤثرة في أي صراع تجاري أو حتى سياسي، مما يعيد ترتيب العوامل الحاسمة في امتلاك القدرة على التفوق والصدارة في سباق يشتد ويزيد من حدته تحرير التجارة، التي انقلب السحر فيها على الساحر.
لقد أعلن صندوق النقد الدولي أن التفاؤل سيد الموقف وأن الركود العالمي أوشك على تخفيف وطأته على الاقتصادات الوطنية، كما أن منظمة التجارة العالمية تؤكد أن القاطرة بدأت تتحرك نحو النمو والعودة إلى المسار الصحيح وأن التجارة العالمية ستكون ميدانا للمفاوضات بين الدول والتكتلات الإقليمية بعد أن تم تجاوز عقبة المديونيات للبنوك والشركات وتحييد غير القادرين على الاستمرار بقوة في سوق التجارة المحلية في بعض الدول وحتى على الصعيد الدولي. إن المكاسب التي يحققها الاقتصاد السعودي هي محل اعتزاز للمواطن وهي إنجاز يضاف إلى رصيدنا في الأسواق العالمية ويعزز مكانتنا بين الدول التي تبحث عن شركاء تجاريين لتحقق معهم التكامل وتبادل المصالح. والمطلوب أن نسعى للاستفادة الفعلية من الاستثمارات الأجنبية وأن نتحقق من مرودها الإيجابي، وكل ما نرجوه هو أن تتعاظم فائدة الاقتصاد الوطني من المستثمرين الأجانب في كل قطاع على حدة، فالأرقام الإجمالية لا تعكس التفاصيل مثل تأثير تلك الاستثمارات في حجم الودائع في البنوك المحلية وانعكاس ذلك على تحسن فرص العمل للسعوديين أو حتى لغير السعوديين ما دامت هناك مشاريع حقيقية تسهم في زيادة الناتج الوطني للمملكة، فليست العبرة سوى بما يتم تحقيقه فعلا للوطن ولاقتصاده ولمستقبل أبنائه، كما نود أن نعرف مدى ما حققه المواطن من دخول المستثمرين الأجانب، والتحقق من هذا الوضع يفترض أن يكون مسؤولية المجلس الاقتصادي الأعلى، فوضع الاستثمار الأجنبي دخل منطقة خلافية في المجتمع السعودي، فهناك تجاذب في وجهات النظر، فثمة أرقام إنجاز يتم الإعلان عنها من جهات محلية وخارجية، ولكن الناس يقولون إن المعطيات الواقعية مختلفة جدا.
