بفضل التقدم العلمي والتطور الهائل في حقل الاتصالات، سيتغير كل شيء من حولنا، فالأزمنة ستتغير، والأمكنة ستتحول، وسنعيش في عالم اللاواقع بالكيفية نفسها التي نعيشها في عالم الواقع. عالم الغد سيكون مختلفا ومغايرا لما نعيشه في عالم اليوم، وسيملك هذا العالم من أعد العدة لاستقباله، فليس من المقبول أن نتعلم بالطريقة التي تعدنا لعالم على وشك الانصراف، فالمعارف والعلوم اليوم أكبر من أن تستوعبها مراحل تعليمية محدودة بالزمان والمكان، فلا بد من أن ننتقل بالتعليم من الاهتمام بالمعلومة إلى الاهتمام بالمهارة. من مستلزمات حضارة الغد أن يكون عندنا متعلمون مهرة في ملاحقة المعلومة الجديدة واصطيادها وتوظيفها في بناء أنفسنا وتطوير أوضاعنا.
وإذا كان التعليم في المستقبل سيتخلى عن كثير من الأشياء التي ألفناها فيه، فسيكون تعليما ربما بلا مدارس ولا فصول ولا معلمين ولا كتب ولا أوراق، وستتحول كل هذه الأشياء إلى عوالم وموجودات افتراضية يطل عليها الإنسان متى ما أراد وأين أراد، فإن طبيعة العمل هي الأخرى ستتحول وستتبدل وستكون على غير ما عليه الآن. وهذا التحول المرتقب والتبدل المنتظر يفرضان علينا أن نعد هيكلية عمل جديدة للمستقبل. إن بقاء هيكلية العمل على وضعها الحالي سيجعلها تولد لنا بيئة عمل غير منتجة وغير فاعلة، وستنتج لنا بطالة أكثر مما تنتج لنا فرص عمل جديدة. إن أهم عنصر في هيكلية العمل المستقبلية تحول الإنسان نفسه إلى وحدة إنتاج، فلا المكان ولا الزمان سيحدان من قدرة الإنسان على الإنتاج، فسيكون هذا الإنسان مصنعا بذاته أو شركة أو مدرسة أو مختبرا بذاته، فهو وحدة إنتاج متنقلة، وبما أن بيت الإنسان هو عالمه الخاص فسيكون لبيت الإنسان موقع رئيس في إدارة الإنسان عمله وممارسته في المستقبل. ليس كل هذا الكلام عن المستقبل، فما هو موجود اليوم من تقنية وأدوات حديثة يتيح لكثير من الناس أن يعملوا كليا أو جزئيا وهم في بيوتهم. فهناك دراسات في أمريكا تؤكد أن بمقدور 50 مليون مواطن أمريكي أن يمارسوا عملهم المعتاد كليا أو جزئيا من غير حاجة إلى ترك بيوتهم والانتقال إلى أماكن أعمالهم بما هو متاح في الوقت الحاضر من تقنية وأجهزة اتصال. في دوائر الحكومة الأمريكية وحدها هناك أكثر من 100 ألف موظف يعملون من بيوتهم، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد في السنوات المقبلة.
هناك كثير من الفوائد المرجوة من هذه المرونة والانتقال بالعمل من المكتب إلى البيت، ولعل أولاها وأهمها تشغيل كثير من العاطلين عن العمل. إن طبيعة العمل في الوقت الحاضر، وستكون هي الغالبة في المستقبل، لا تتطلب عمالة دائمة وبدوام كلي، ولهذا فإن بإمكان الإنسان أن يعمل مع عدة جهات أو شركات في الوقت نفسه، والبيت هو المكان المناسب لممارسة مثل هذا النوع من العمل. وهناك نساء اضطرتهن ظروفهن الأسرية والاجتماعية إلى البقاء في بيوتهن وعدم العمل، لكن عندهن المقدرة والوقت للعمل من بيوتهن، فهناك نساء كثر حتى في الدول المتقدمة ممن يفضلن العمل من بيوتهن حتى ولو كان هذا العمل بأجور أقل، لأن هذا يعطيهن فرصة الجمع بين العمل ورعاية أسرهن وتربية أبنائهن. هناك أيضا فوائد اقتصادية وبيئية لتشجيع العمل من البيوت، فهناك كثير من المعوقين ستتاح لهم فرصة أكبر للعمل، وهذا سيخفف على المجتمع والدولة إعانتهم، وثبت أن العمل البيتي يحسن كثيرا من الإنتاجية ويساعد على تخفيض الإجازات المرضية، وهذا كله سيدعم ربحية الشركات. والعامل سيكون له أيضا نصيب من هذا العائد الاقتصادي لأنه سيوفر كثيرا من النفقات التي تستلزمها طبيعة العمل الاعتيادي في المكاتب. ولما كان الموضوع البيئي اليوم على رأس قائمة اهتمامات العالم، فالانتقال بالعمل إلى البيت سيقلل كثيرا من استخدام المواصلات الخاصة والعامة، وهذا سيكون له تأثير ملموس في التقليل من التلوث، وكذلك التقليل من استهلاك الطاقة، يضاف إلى ما لقلة الازدحام المروري من فوائد اجتماعية ونفسية على الإنسان. فانخفاض نسب الحوادث المرورية والتقليل من المصروفات لبناء مزيد من الطرق والجسور والأنفاق وتوجيه هذه الموارد لبناء مرافق وخدمات في مجالات أكثر نفعا، مسألة تنموية في غاية الأهمية في المستقبل. لكن الانتقال بالعمل إلى البيت في حاجة إلى مقدمات كثيرة، منها الاستثمار في بناء بنية تحتية معلوماتية واتصالية تتيح لنا فعلا بناء بيئة عمل متكاملة بأطرافها المتعددة، ومنها البيت. ثانيا تطوير أنظمة العمل وجعلها أكثر مرونة ولا مركزية، فالبيروقراطية والمركزية لا تتناغمان أو تنسجمان مع طبيعة عمل يكون فيها الإنسان محور الإنتاج.
نحن اليوم في المملكة نسعى إلى بناء اقتصاد حديث يلبي طموحاتنا التنموية ويكون اقتصادا قادرا على المنافسة عالميا، وهذا الأمر يتطلب منا ليس فقط الاستثمار في بناء المدن الاقتصادية والصناعية والمعرفية، إنما أيضا تطوير بيئة العمل عندنا وهيكليته. فإذا كان العمل في البيت، وحسب بعض الدراسات الاقتصادية، يوفر للاقتصاد الوطني كثيرا من النفقات، فلا يمكن لنا أن ننافس العالم ونحن لا نستثمر لنحصل على مثل هذه العوائد ومثل هذا التوفير.
