يكبر أي مشروع وفي أي مجال بمقدار ما يحققه إنسانيا, ومشروع الملك عبد الله لفصل التوائم السياميين, الذي لم يعد مشروعا, بعدما أصبح المرجع العالمي والدولي لهذا التخصص من الطب بإنجازاته العريضة والمتلاحقة, التي امتدت في مختلف الاتجاهات, وغطت إنسانيا معظم من احتاج إليها. هذا المشروع بالمعنى المألوف ولد كبيرا بإرادة خادم الحرمين الشريفين, الذي وقف خلفه, ويسر له كل سبل النجاح كترجمة حقيقية للرسالة الإنسانية التي تبناها ـــ حفظه الله ـــ من أجل التعايش السلمي بين الثقافات والأديان والحضارات.
ونجاح عملية فصل التوأمين العراقيتين (زينب ورقية), التي تمت على يد الفريق السعودي في مدينة الملك عبد العزيز الطبية, بقيادة الجراح السعودي العالمي الدكتور عبد الله الربيعة وزير الصحة, لم تقتصر أصداؤها الإنسانية على الطفلتين, ولا على والديهما, أو ذويهما في مدينة النجف العراقية, ولا على الفريق الطبي الذي أضاف إلى رصيده بهذه العملية الناجحة, بفضل الله, بعدا مهنيا جديدا, وهي العملية التي لم تتوافر لها من حظوظ النجاح, وفق التقديرات الأولية, أكثر من 50 في المائة فقط, وإنما تعدت كل ذلك لتضفي على هذا المشروع الإنساني الرائد صبغة قلّ نظيرها على مستوى العالم, لا من حيث المهنية العالية, ولا من حيث المساواة بين البشر والجنسيات والمذاهب والأديان, ما يمنحها امتيازها كرسالة إنسانية لعالم أكثر تسامحا, وأكثر قدرة على تحقيق مبدأ الاستخلاف في الأرض لعمارتها.
الأجمل في الأمر أن هذا المشروع الطبي الكبير يعمل في حقل هو الأقرب دائما للإنسانية, وهو حقل الطفولة التي لم تتلوث ببشاعات الحياة وأزماتها, ولم تغادر براءتها, ما يجعلها في نظر الجميع صنو مسح الدمعة عن خد الطفولة المعذبة, وهذه أرقى القيم الإنسانية, وأبلغها أثرا في النفوس لأنها لا تنحاز إلا لصفاء الطفولة, وحقها في العيش خارج حقول العذابات والآلام التي غالبا ما تكون من صنع يد الإنسان وضغائنه.
إن القيمة الحقيقية في مشروع فصل التوائم ليس فقط فيما أنجزه من مهارات طبية عالمية متقدمة أعادت للأمة مجد الشيخ الرئيس وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم من رواد الطب وأساتذته الأوائل, رغم تلك الإشادات التي عبر عنها رئيس الفريق وزير الصحة, الذي لم يخف فرحته وسعادته بتطور الكوادر العاملة معه في هذا الحقل في مختلف الاختصاصات, وإشادته بتمكن الفريق من تبديل خططه الجراحية واختصار وقتها أثناء الجراحة, ما يعني التفوق على الذات, لكن القيمة الحقيقية تكمن في كسر حاجز الريادة التي طالما احتكرها الغرب, وسرّبها إلينا كثقافة واقع تستعصي على التجاوز بحكم الفارق الحضاري والعلمي الكبير الذي يرجح كفة الغرب قاطبة في شتى العلوم, وتحديدا العلوم الطبية المتقدمة, حيث قدم هذا المشروع في وعائه الإنساني نفسه, بعدا حضاريا وعلميا آخر .. يقول لكل أبناء الأمة: إن هذه الأمة متى ما وجدت الإرادة الصادقة والعزيمة الخلاقة والقيادة المسؤولة التي تعي أدبيات تحقيق المجد, فإنها قادرة وبتوفيق الله على تجاوز كل المصاعب والعقبات لمنافسة الغرب بسواعد أبناء الأمة وعقولهم, وهذا ما فعله عبد الله بن عبد العزيز .. الرجل الذي مهر بعزيمته وإصراره مؤهلات أبناء وطنه, وقلدهم وسام العالمية بثقته بإمكاناتهم العلمية والعملية, وهذه أبهى وأتم صفات القائد الحقيقي .. الذي يأبى أن يستسلم أو يذعن للأسبقيات من منطلق إيمانه بأن ميدان هذه الأسبقيات الطبية هو مراكز البحوث وغرف العمليات وليس ترديد ما يقوله الآخرون, لأن الفضل هنا هو في استخدام وتوظيف العلم والعقل لا في الانتماء إلى الهويات.
من هنا تكون زينب ورقية اللتان ستعيشان ـــ بإذن الله تعالى - بجسدين منفصلين مثل كل الناس شهادة أخرى على قدرة رجل قائد على صناعة الفارق لشعبه ووطنه وأمته.
