في كل عام يبتعث مئات, إن لم يكن آلاف, من خريجي الثانوية من شباب وشابات وطننا الحبيب للالتحاق بجامعات ومعاهد مرموقة حول العالم. هذه الخطوة رائدة ومن ورائها رواد, ولا شك أنها ستعود بالنفع على الجميع أكاديميا, ثقافيا, اجتماعيا, وحضاريا. وهنا لا أقصد بالنفع أننا سنذوب في ثقافة الغير ونفقد هويتنا, بل المقصد هنا أن يكتسب هذا الجيل من الجنسين فنون التعايش مع ثقافات أخرى, وهذا في حد ذاته سيخلق لدينا جيلا متفتحا يعرف مكانه ومكانته بين الشعوب.
فيما يخص الابتعاث والمبتعثين لدي اقتراح أتمنى أن يصل إلى من يهمه الأمر, حتى تتم مراجعته والأخذ به إن أمكن. نتمنى أن يشمل نظام البعثات كل موظف له علاقة بالجمهور ويحتاج إلى أن يتقن فنون الخطابة مع إجادة اللغة الإنجليزية, لأنه ـ كما نعلم ـ هناك موظفون يعملون في إدارات حكومية تتعامل مع الجمهور, مواطنين ومقيمين عربا وأجانب, وهذه الجهات تؤدي أعمالا جليلة, لكن في أحيان كثيرة نجد من يذم ويهمز ويلمز عبر صفحات الجرائد أو في صدر كل مجلس, والكل يسرد قصصا ومواقف نتيجة لسوء تعامل هذا الموظف أو ذاك.
لو بحثنا عن جذور كل هذه المشكلات نجد أن أهم عنصر فيها, الافتقار إلى اللغة وفنون التعامل عند الموظف. وبما أن إدارة الجمارك وإدارات المرور في مقدمة هذه الجهات الحكومية, أعتقد أنه من الضروري أن ترصد لهما ميزانية تخصص لابتعاث كل موظف له علاقة بالجمهور حتى نجد من يتعامل مع الأجانب غير الناطقين بالعربية بكل حرفية, خصوصا الآن مع نظام ساهر نحتاج إلى كوادر تدير النظام باقتدار. ولا ننسى أن حرفية الموظف ستنعكس على البلد لأنهم واجهته, بل عنوانه, وكما قيل "الكتاب من عنوانه", والأمثلة كثيرة.
لا ننسى أيضا موظفي الجمارك الموجودين ليل نهار, صيفا وشتاء في كل مطار وكل منفذ, كمثال آخر ممن يتعامل مع الجمهور, بل إنهم واجهة البلد وحصنه المتين, هؤلاء يحتاجون إلى التدريب والتطوير, خاصة إتقان اللغة.
الآن وبعد ما يزيد على خمس سنوات من الابتعاث المتواصل لطلاب الثانوية, أعتقد أنه ليس بالضرورة أن تكون البعثات حكرا على طلاب الثانوية, لأننا بكل بساطة سنجد أن السوق قد تشبعت بالخريجين, ونحتاج إلى توقف وتحويل مسار الابتعاث إلى الموظفين. من يقوم بخدمات جليلة ويحتاج إلى أن يتعلم أبجديات التعامل من لغة إنجليزية أو فنون اللباقة والتعامل مع المسافرين إن كان موظف جمارك, وكذلك تعلم فنون التخاطب إن كان رجل مرور ... إلخ.
كل من سافر خارج البلاد لا بد أن يقارن بين تعاملنا وتعامل الآخرين وسيجد الفرق شاسعا, لكن هذا لا يعني أن عباد الله في أصقاع المعمورة راقون ومهذبون ونحن (لا), بل إن الجواب المنطقي لوجود الفروق الهائلة بيننا وبينهم, أنهم دربوا الكوادر البشرية, وفي مقدمة التدريب إجادة اللغة الإنجليزية, لأنها بكل بساطة لغة العصر ولغة التخاطب, ليس لأنها أفضل من لغة الضاد, بل لأنها اللغة التي يفهمها الجميع بسهولة.
مثال بسيط حول ما تقوم به الشركات حول تدريب الكوادر من أمثال: "سابك", "سكيكو" و"أرمكو" السعودية, نجد أنها تدرس جيدا الوظيفة ومتطلباتها ومن ثم تهيئة الموظف قبل أن يبدأ العمل.
تخيلوا عندما نجد رجل المرور البسيط الذي يتعامل مع الجميع (العالم والجاهل, العربي, والأجنبي) لبقا يتحدث اللغة بطلاقة ويقنع المخالف إن لزم الأمر أو أن يوجه نصيحة بطريقة حضارية. وقس على هذا المثال كل موظف يعمل في موقع له علاقة مباشرة مع الجمهور, لن نسمع بعد هذه الدورات والبعثات رجل مرور يقول "أنت فيه استمارة, أنت ما في يشوف إشارة", ولا رجل جمارك يقول: "أنت في شيء في شنطة .. إلخ). لقد حصرت الأمثلة على الجمارك والمرور لأنهما يتعبان ويحتاجان منا إلى كلمة شكرا على أقل القليل, والأمثلة كثيرة حول كثير من الدوائر الحكومية والقطاعات الخاصة, لكن كما قيل "كفى بالقلادة ما أحاط بالعنق".
أخيرا .. والله دون مجاملة أشعر, كما يشعر كل غيور, بالفخر عندما أستمع إلى من يمتدح وطني نتيجة لموقف حدث هنا أو هناك ونحن خارج الحدود, لأن المديح من الخارج له نكهة تختلف عن المديح البراق من الداخل! وأحزن عندما أستمع إلى سخرية مبطنة لا تكتب, لكنها واضحة لمن أراد أن يقرأ ما بين السطور, ويا كثرمن يكتب ومن يطبل! لكن يبقى الوطن شامخا بالمخلصين.
