تعد العملية التربوية من أصعب العمليات التي يقوم بها الفرد تجاه الآخرين, خاصة إذا كان هذا الفرد في الموقع المحوري للتربية, كأن يكون أبا أو معلما, أو أيا من المراكز التربوية الأخرى الرسمية وغيرها من المواقع التربوية الاجتماعية التي تحتم على الإنسان أن يكون محط القدوة. ولم تكن التربية شاقة فقط من أجل تحقيق هدف الإعالة المادية أو المعنوية, بل إن العملية التربوية شديدة التعقيد لأنها من المفترض علميا ودينيا أنها تخرج قبل كل شيء بهدف بناء الفكر البشري نحو صلاح الفرد وتقدم المجتمع.
إن التربية فعليا في الوقت المعاصر أصعب بكثير حتى من السنوات القريبة الماضية, حيث لم يعد في حياة الفرد سوى المشتتات المتنوعة والمختلفة, بل امتلأ العالم من حوله, حتى على نطاق عالمه الخاص الصغير بالتحديات, وكأنه يدفع دفعا لاختيار الخطأ, فكيف إذن ستكون العملية التربوية قادرة على تجاوز كل تلك الأخطاء والحفاظ على فكر إيجابي سليم يشترط فيه أن يكون منفتحا على العالم الخارجي, ولديه استيعاب كامل لاحتواء الثقافات الأخرى, وبالتالي اختيار الجيد, ونبذ ما ينبذه الدين وما ترفضه الأخلاق الجيدة؟ أعتقد أن المعادلة تصعب يوما فيوما, لكن لا يزال هناك كثير من الأسر في المقابل هي التي قبلت تحدي الوقت المعاصر, وما زالت تسعى إلى الانفتاح الفكري وسط أسس وقواعد يرسخها الإسلام هذا الدين الذي دائما يدعونا إلى اختيار الأصلح.
ولعل الجوانب التكنولوجية هي الوجه الأول للتحدي وسلاح الهجوم والدفاع, وهو أمر لا يختلف عليه اثنان, فمن يعيش ثقافة "الآيفون" و"الآيبد" وغيرهما ربما يتعجب دون أدنى تفكير مما وصل إليه سحر الأجهزة التكنولوجية, وأعتقد أيضا أن ما خفي كان أعظم! لكن أمام هذا الإعصار الذي يكتسح حياتنا ويطرق أبواب أبنائنا, بل "أطفالنا" في هذا العصر, أمر يجعلنا في حيرة بالغة ويطرح سؤالا شديد الإلحاح هو: كيف سنتقن, أو لنقل, سنعمل على بناء الفكر الإيجابي لأبنائنا؟ الأمر ليس سهلا على الإطلاق, خاصة أن أطفالنا الصغار أصبحوا المرشدين الأوائل لاستخدام التقنية وليس نحن! وليس هذا هو الشيء الغريب فقط, بل إن الأغرب هو أنهم في الدول الغربية نجحوا كثيرا في تعليم أبنائهم استراتيجيات البحث عن الفائدة أولا قبل إساءة الاستخدام على الرغم من التفككات الأسرية التي يعيشونها, إذ لا أسرة ولا وازع دينيا ذو قيمة عالية, لكن هناك غرسا رائعا لكيفية الاستثمار الفكري للمعلومة وتنمية شعور الرغبة في البحث من أجل الاكتشاف, حتى إن كان هذا الاكتشاف على مستوى المرحلة العمرية الصغيرة التي يدور فيها الفرد وفق عمره، والسؤال هنا:
لماذا يصر كثير من أطفالنا وشبابنا, حتى الراشدون وبلا مبالغة, على البحث فقط عن التسلية والمتعة وتجاهل أي طريق للسعي إلى الفائدة وبمجرد الانتهاء من تلك المتعة ينتهي فعليا عمر الجهاز المستخدم لاستبداله بجهاز جديد يكتسح الأسواق حديثا من أجل البحث من جديد عن متعة أكبر؟ مع الأسف, يدور أبناؤنا في حلقة من المتع والبحث فقط عن الترفيه النفسي اللانهائي, في حين يغيب الوعي وبناء الفكر والمرونة في التعامل مع التغيرات الخارجية وفق محك ثابت تسقيه الأسرة ويقتنع به الفرد.
