الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن رئيس الوزراء فلاديمير بوتن يصر على أن ''روسيا ستكون بلا مستقبل من دون تطور طبيعي للديمقراطية''. والواقع أننا نحن الروس نسعد كثيراً حين نستمع إلى مثل هذه العبارات المستنيرة. لكن بوتن أضاف إلى حجته هذه كلمة ''لكن''، وهي الكلمة التي أضعفت العبارة إلى حد بعيد. بل إن كلمة ''لكن'' هنا تجعل الحجة برمتها بلا معنى.

لقد كرهنا هذه الكلمة (لكن) منذ فجر الحقبة السوفياتية، فقد قيل لنا إن الحرية شيء جميل، ''لكن'' المرء لا يستطيع أن يعيش في مجتمع فردي النزعة من دون أي اهتمام مشترك بالدولة الشيوعية. والديمقراطية شيء عظيم، ''لكن'' شريطة أن تكون لمصلحة الطبقة العاملة.

والآن ينبئنا رئيس الوزراء الروسي بأن الديمقراطية عظيمة حقاً، ''لكن'' الاحتجاجات العامة ليس من الممكن أن تنظم في أماكن عامة، ولنقل حول المستشفيات أو ما إلى ذلك. بيد أن الدستور الروسي لا يعد المستشفيات من بين الأماكن التي يحظر فيها الاجتماعات العامة، وأظن أن المرضى أيضاً يحتاجون إلى الديمقراطية.

أما الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف فهو لا يفهم ـ من دون ''لكن'' ـ أن ''الحرية أفضل من نقيض الحرية''، وأن ''العدمية القانونية'' أمر سيئ والديمقراطية أمر طيب. وهو يفهم أن ستالين كان مجرماً، وأن الأمر الذي أصدره بقتل الضباط البولنديين في كاتين كان عملاً منحرفاً وضيعاً لا عذر له أو تفسير. إن الرئيس يفهم هذا، لكن من المؤسف أننا لا نفهم الدور الذي يلعبه رئيسنا في مجتمعنا. فكل كلامه سليم وجميل، لكنه رغم ذلك لا يعكس الواقع.

إن المسيرات التي ينظمها المعارضون في الـ31 من كل شهر (الفقرة 31 من الدستور الروسي التي تكفل حرية تنظيم الاجتماعات)، من الممكن ببساطة أن تصور باعتبارها احتجاجات هامشية تشارك فيها مئات قليلة من الأشخاص الذين تجمعهم أهداف أو أفكار مشتركة. ذلك أن أرقام شعبية بوتن وميدفيديف، كما يزعم كثيرون، مرتفعة إلى الحد الذي يجعلهما في غير احتياج إلى الاهتمام بقِلة من المنشقين. فضلاً عن ذلك فإن أغلبية الروس يؤيدون الحكومة بلا أي معارضة على الإطلاق، كما يزعمون. لكن هذا لا ينبئنا بكثير، وذلك لأن الأغلبية الروسية تدعم الحكومة دوماً، بصرف النظر عن السياسات التي تنفذها.

إن المحتجين اليوم يشكلون أقلية حقاً، ومن الممكن تجاهلهم بالطبع، لكن إلى حد. ذلك أن الأقلية تتألف من المفكرين ـ الموسيقيين والفنانين والكتاب، وهؤلاء هم القائمون على تقدم العلم والتكنولوجيا والإبداع الاقتصادي في روسيا. لا يمكننا أن نعد الناس من أمثال هؤلاء أشخاصاً عديمي الجدوى، وذلك لأننا نحتاج إلى الإبداع الذي يقدمونه لنا، حتى ولو كنا نتصور أن روسيا لا تحتاج إلى الديمقراطية. صحيح أن ليس كل أفراد الأقلية المفكرة يشاركون في مسيرات المحتجين، لكن عديداً منهم يعارضون النظام في صمت.

إن قادتنا مهووسون بالحديث عن التحديث الصناعي في روسيا، وعن دعمهم ابتكارات مثل النانو تكنولوجي، حتى تتمكن روسيا من اللحاق بالبلدان المتقدمة. وتمشياً مع التقاليد السوفياتية فقد خصصت الحكومة الروسية لأحد مشاريع النانو تكنولوجي قطعة أرض، في إطار خطط لإقامة منشآت علمية عدة. وهذا يعني أن أفضل العقول في روسيا ـ من المهندسين، والعلماء، والمخترعين ـ سيجتمعون في مكان واحد، ومن هناك سيبدأ تحرك البلاد إلى الأمام. والأمل هنا أن تغمر المشاعر الوطنية ليس فقط هؤلاء الذين يعيشون في روسيا، بل أيضاً المهاجرين. وسيعودون إلى روسيا (ستجذبهم أيضاً الرواتب المرتفعة) كي يصبحوا من المشاهير وكي يفخر بهم وطنهم.

خطة رائعة، لكن أخشى أنها لن تنجح. على سبيل المثال، تخيلوا معي أن أحد العباقرة رحل عن روسيا قبل أعوام عدة، ونجح في إثبات ذاته والبروز في بلد أجنبي واخترع شيئاً متميزاً، والآن يُطلب منه أن يعود إلى الديار: ''إن وطنك في حاجة إليك، وهو يحترم مساهمتك، ويغفر لك خيانتك، وسيدفع لك أكثر مما كنت لتحصل عليه في أي مكان آخر''. لكن هذا العالم العبقري يظل بشراً. لا شك أنه يشعر بالحنين إلى أشجار البتولا، وأصدقائه القدامى، وزوجته السابقة، وأطفاله من أولى زيجاته. وهو راغب في العودة كي يرى من جديد كل ما خلفه وراءه، وفي الوقت نفسه يساعد أمته كي تصبح قوية اقتصادياً، ومتقدمة تقنياً، ومزدهرة.

لكنه قبل أن يتخذ القرار الأخير يشغل المذياع، ويشاهد قنوات التلفاز لبعض الوقت، ويستعرض المواقع على الإنترنت، فتتكشف له حقيقة روسيا. الصحافيون يقتلون، والعلماء يتهمون بالتجسس، ويظل ميخائيل خودوركوفسكي سجيناً بلا ذنب. وهناك عديد من المدونات التي تنبئه بأن البرلمان الروسي ليس أكثر من مكان للتصديق على قرارات تم اتخاذها بالفعل من الأعلى. ثم يقرأ الخطب المشوشة والمربكة التي يلقيها قادتنا: الحرية أمر طيب، لكن...

ثم يعلم هذا العالم العبقري أن فاسيلي أليكسانيان، محامي شركة يوكوس الذي يعاني مرضاً عضالاً لا شفاء منه ظل محتجزاً في السجن في ظروف غير إنسانية، وأن محامياً آخر، وهو سيرجي ماجنيتسكي، توفي في السجن بعد أن رفضت السلطات تقديم العلاج الطبي له، وأن محامياً آخر أيضاً، وهو ستانسيلاف ماركيلوف قُتِل رمياً بالرصاص في أحد شوارع موسكو.

ثم يفاجأ هذا العالم (أو لا يفاجأ) حين يكتشف أن الأغلبية الروسية تعد جوزيف ستالين ثالث أكثر شخصية من حيث الشعبية في المسابقة المعروفة باسم ''وجه روسيا''. وفي الوقت نفسه يعلم أن زميله الأحدث سناً في روسيا، الذي ما زال المستقبل كله أمامه، لا يشارك في مسيرات المحتجين، بل يقرر الهجرة، وذلك أيضاً شكل من أشكال الاحتجاج.

في العهد السوفياتي حاول القادة الشيوعيون اجتذاب الناس إلى العمل في الكولخوزات (المزارع الجماعية) على وعد بحصاد محاصيل عظيمة وإنتاج هائل من اللحوم. لكن محاولاتهم باءت بالفشل، وذلك لأن نظام المزارع الجماعية كان غير متوافق مع الإنجازات الكبرى في الأمد البعيد.

وعلى نحو مماثل، ففي بلد حيث يوازن القادة بين مفهوم الديمقراطية ومفهوم الحرية بكلمة ''لكن''، تصبح الإنجازات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد في حكم المستحيل.

إن الأقلية المفكرة تحتاج إلى نظام قانوني ومؤسسات راسخة، وانتخابات رئاسية حقيقية، وبرلمان عامل، ونظام قضائي مستقل لا يتلقى أوامره من الأعلى.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية
روسيا تعمل ضد مصالحها | صحيفة الاقتصادية