الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

وقع الموت على النفوس أليم، وجرت سنة الله في خلقه أن يتجرعه كل حي، يقول المولى سبحانه وتعالى في محكم التنزيل (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... الآية).

ويكون الآلم عميقاً والحزن كبيراً إذا كان الفقيد له مكانة في النفس ترسخت من خلال ما غرسه في نفوس محبيه من كريم الخصال ونبل المشاعر، وصادق الدعاء.

ففي يوم الجمعة الموافق 27/7/1431هـ، وتحديداً بعد صلاة الجمعة تلقيت من أحد الزملاء الأعزاء اتصالاً هاتفياً يبلغني فيه بنبأ وفاة أخينا وحبيبنا الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن سليمان المطرودي وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لشؤون الأوقاف، فوقع الخبر عليَّ كالصاعقة ولم أستوعبه في البداية، وكررت السؤال على أخينا: هل أنت متحقق من هذا الخبر؟.. فأكده لي، سبحان الله كنت معه في مناقشة لبعض المعاملات المتعلقة بالأوقاف في الساعة الواحدة من ظهر يوم الأربعاء، وكان في كامل صحته وعافيته ونشاطه واستاذنته لظرف خاص، وفي يوم السبت وجدت على مكتبي نسخة من دراسة لموضوع لا علاقة له بالأوقاف يقوم فضيلته بدراسته ورغب في المشاركة بالرأي على أن نلتقي في يوم السبت لمناقشته، ولكن قدر الله ومشيئته نفذت بقبض روحه الطاهرة في يوم جمعة مباركة، وكان – رحمه الله – دائم السؤال عن صحة والدتي وأحد أبنائي الذي يشكو من عارض صحي يأتيه بين وقت وآخر، كان – رحمه الله – كبيراً في أدبه مع الغير يجمع جميل السجايا وحسن الخلق، له ابتسامة لا تفارق محياه، ذكر لي – رحمه الله – بداية حياته إبان سكن أسرته قريباً من شارع العطايف بمدينة الرياض، وكانت هذه الأحياء هي قلب الرياض النابض، وبما أنه عاش في أسرة علم وخلق فقد كان تأثير هذه البيئة الصالحة في حياته ظاهراً جلياً، وبعد أن أكمل تعليمه الجامعي كان من ضمن مجموعة متميزة تم اختيارهم للابتعاث لدراسة الماجستير والدكتوراه وحط وحط رحاله في المملكة المتحدة، وتحديداً في أدنبرة ومن إحدى جامعات هذه المدينة العريقة بدأ في الإعداد للحصول على مطلبه في الدراسات العليا، وبما أنه كان صاحب همه وحكمة فقد كان له دور كبير في تأسيس المركز الإسلامي في أدنبرة، الذي أصبح فيما بعد مركز إشعاع في المملكة المتحدة، ورأس هذا المركز لسنوات عدة كان يناقش ويحاور المخالفين بأسلوبه العذب ولغته الراقية التي أجبرت المخالفين على رفع القبة احتراماً لهذا الرجل المبارك، وعندما انتهت مهمته عاد إلى أرض الوطن ليسهم من خلال تخصصه في خدمة وطنه عبر الجامعة التي تخرج فيها، وبعد تأسيس وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد حرص أول وزير لها معالي الشيخ عبد الله التركي على استقطاب الكفاءات وتعيينهم في المواقع القيادية في الوزارة، وكان من الأشخاص الذين وفق في اختيارهم الأخ الحبيب الدكتور عبد الرحمن المطرودي، وعُيّن في البداية وكيلاً مساعداً للشؤون الإسلامية، وأسهم بما لديه من علم ومعرفة وخبرة في وضع اللبنات الأولى لهذه الوكالة المحدثة مع تأسيس الوزارة، وبعد أن أرسى قواعدها على أساس قوي ترجل منها إلى مهمة أكبر وهي تسلمه المسؤولية وكيلاً للوزارة لشؤون الأوقاف، وذلك في عام 1416هـ، وسخَّر جهده وطاقاته وعلمه في النهوض بهذه الوكالة، وكان لنا شرف العمل معه مسؤولاً وأخاً وصديقاً منذ أن تسلم العمل على هرم هذه الوكالة إلى أن توفاه الله، ومهما نعدد أفضاله وسجاياه فإننا لن نوفيه حقه، فقط كان كريم الخصال عظيم المهابة لين الجانب عطوفاً حليماً ذا حكمة وبصيرة وبعد نظر، حفلت الفترة الذهبية التي قضاها في هذه الوكالة بإنجازات كبيرة فقد أسهم في إبراز الوقف والتعريف به على المستوى الاجتماعي من خلال عديد من الندوات العلمية التي نظمتها هذه الوكالة، كما شاركت في عديد من المؤتمرات المتخصصة في مجال الوقف، أو من خلال إسهاماته في وسائل الإعلام المختلفة، وكذا مشاركته في عديد اللجان المتخصصة في مجال الوقف كجمعية الأطفال المعوقين، ومركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة، وأوقاف الجامعات السعودية، ومجلس نظارة وقف الملك عبد العزيز لعين العزيزية، وغيرها من اللجان التي لا يتسع المجال لحصرها، كما كان له جهود ـ رحمه الله ـ في دراسة الكثير من اللوائح والأنظمة التي يستشار فيها مما ليس له علاقة بالأوقاف، كان ـ رحمه الله ـ حريصاً على أداء العمل على أكمل وجه وحريصاً على الوقت يأتي إلى مكتبه قبل الناس ويخرج بعدهم، ينجز عمله في صمت دون ضجيج، يغلب المصلحة العامة في جميع ما ينجزه، حريصاً على أداء الحقوق لأصحابها وإنجاز العمل أولاً بأول، زهد فيما عند الناس فأحبه الناس، كان مدرسة في جميع ما يقوم به من أعمال، لم نعهد منه أن عبس وجهه في وجه أحد أو أخطأ في حق أحد، كان يمتص الغضب بابتسامته المعهودة ويحقق مراد صاحب الطلب بما يتماشى من تعليمات ولاة الأمر، ولم تقف إسهاماته في مجال العمل، بل تعدى ذلك إلى الشفاعة لدى الغير إذا تحقق من صاحب الطلب وحاجته، وقد وقفت على كثير من هذه الشفاعات، كان ـ رحمه الله ـ زاهداً في دنياه، باراً بوالديه، محباً للآخرين، لقد كانت وفاته فاجعة على الجميع وملأ قلوب محبيه حزناً عميقاً على فراقه، لمست الحزن العميق لدى معالي الوزير ـ حفظه الله ـ الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ أثناء تقديم العزاء لمعاليه، وأذكر مقولته ـ حفظه الله ـ يقولها وعيناه قد اغرورقت حزناً على فارق الحبيب أن خبر الوفاة نزل عليه كالسيف المسلط وعدّد شيئاً من مناقب الشيخ، ومنها أنه لا يذكر أنه تقدم له بحاجه لنفسه، وأنه كان يعمل في صمت، كما تحدث معاليه عن الشيخ ـ رحمه الله ـ بعد صلاة الظهر من يوم السبت التالي لوفاته ذكر شيئاً من مناقبه ومآثره ودعى له ولم يستطع أن يكمل حديثه من شدة تأثره، لقد عايشنا محبته وهو حي بين أظهرنا، ولمسنا هذه المحبة الجارفة من محبيه بعد وفاته، وقد توافد محبوه للصلاة على جنازته من كل مكان من مكة وجدة والمدينة والقصيم وغيرها من مناطق المملكة.

اسأل المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم والديه وأسرته وإخوانه ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية