قبل أيام دشن خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز السيارة غزال-1 التي أنتجتها كلية الهندسة بجامعة الملك سعود كأول سيارة سعودية مصممة محليا ومنتجة بأيد وعقول سعودية فتية تنظر إلى المستقبل نظرة استشرافية مملوءة بالتفاؤل ومفعمة بالإصرار على النجاح واقتحام ما يعتقد أنه ضرب من الخيال.
إن تدشين المليك، حفظه الله ورعاه، لهذا الإنجاز يعد منعطفا مهما، ومباركة ملكية لهذا التوجه الجديد للمملكة، ومحفزا قويا لجامعة الملك سعود وبقية الجامعات والجهات البحثية، بالاستمرار في سلسلة البحث والتطوير، والمساهمة الفاعلة في نقل المملكة من بلد نفطي، إلى بلد يملك المعرفة ويستثمرها ويعرف مفاتيح اللعبة الصناعية ويطوعها لحماية مكتسباته الوطنية ولخدمة بيئته. إن نجاح جامعة الملك سعود في إنتاج أول سيارة اختبارية بمواصفات سعودية جديدة، تتعامل مع بيئتنا ومع مشاكلنا بشكل جيد هو سبق جديد، لأنه كما قيل ما حك جلدك مثل ظفرك أو لا يشعر بالمعاناة إلا من يعيشها. كما أن تحقيق مجموعة من الملكيات الفكرية بتصنيع هذه السيارة، يعطي الجامعة والوطن ميزة نسبية على غيرها، لأن ذلك دافع لتسويق أفكار جديدة تلائم ظروف المملكة وبيئتها للمصنعين في كل دول العالم، وتكون هذه الأفكار والمنتجات مواصفات سعودية لا بد من توافرها لدخول السوق السعودية. عندما بدأت جامعة الملك سعود في التفكير في صناعة السيارة، كانت الفكرة طموحة وخلاقة، ولكن التحديات كانت أكبر في ظل التحدي النفسي أولا والتحدي التقني والإمكانيات ثانيا، سواء الفنية أو البشرية، ولكن العزيمة القوية كما قالها خادم الحرمين، حفظه الله، هي التي تصنع الفرق وتحقق الصعب، وكانت البداية منهجية، من خلال ما يعرف بالهندسة العكسية وتطبيقاتها. فقد خضع الباحثون والمهندسون للعديد من التجارب العملية، محليا وعالميا، وتعرفوا على العناصر المختلفة وكيفية تصميمها واختبارها وتصنيعها، وكسر الحاجز النفسي للدخول في مثل هذه الصناعات. تلى ذلك الانتقال إلى مرحلة التطوير والتعديل في الشكل خارجيا وداخليا، والتحسين في الأداء، من خلال العديد من الدراسات واستخدام عقد البرامج الحاسوبية في التحليل والنمذجة والمحاكاة. وكانت النتيجة بناء الخبرة والمهارة وتطوير منتج أولي متميز يمهد الطريق لمنتجات أخرى، بمشيئة الله.الجامعة ممثلة في كلية الهندسة حققت مكاسب كثيرة من هذه التجربة، يأتي في مقدمتها المشاركة الفاعلة في بناء الإنسان السعودي المنتج، وهذا هدف سام تسعى له جميع الشعوب، فالشباب السعودي من المهندسين المشاركين في إنتاج السيارة يعدون فرقة الطليعة لمرحلة التصنيع السعودية القادمة. حيث تعلموا وطبقوا، ومارسوا وأبدعوا بشكل متميز يدحض كل من شكك ويشكك في المنتج السعودي للجامعات ومراكز البحث والتطوير السعودية، كما كسبت الكلية التفعيل المثالي للتطبيق العملي المتكامل في خططها الدراسية، من خلال التكامل بين ما يدرسه الطالب في قاعة الدرس وبين ما يطبقه في مختبره وورشته، وكذلك التكامل بين التخصصات الهندسية المختلفة، حيث يشارك المهندس الصناعي مع زميله المهندس الميكانيكي، والمهندس المدني والكهربائي وهكذا. هذه المنهجية تؤسس لثقافة جديدة في التعليم الهندسي في المملكة، من خلال العمل الجماعي والفرق البحثية والتطويرية وهي من عناصر النجاح للمجتمعات الصناعية. إن هذه المكتسبات سوف تسهم في تحسين البيئة التعليمية والبحثية لدى عضو هيئة التدريس ولدى الطالب على حد سواء، والنجاح يقود إلى التفاعل الإيجابي والانتصار على الهزيمة النفسية التي يعانيها الكثير. إنتاج السيارة غزال يفتح الباب أمام المستثمر السعودي والأجنبي، فإنتاج سيارة بمواصفات سعودية، وتقنية سعودية، وبأيد سعودية، ومن مؤسسات بحثية سعودية يمهد الطريق أمام المستثمرين لإنتاج سيارة منافسة، كما أن إنتاج غزال 1 أثبت أن تطوير وتصنيع سيارة ليس مستحيلا، بل ممكن وميسر.
ولكي تثمر التجربة لابد من التكامل بين الجهات المختلفة لكي يتحقق النجاح بشكل أكبر، فتكامل دور التصميم والتطوير ممثل في جامعة الملك سعود وشركائها، ودعم وتحفيز الدولة لهذه الخطوة وتبني هذا المنتج لبعض قطاعاته، ومشاركة المستثمر المحلي والعالمي لإنتاجها، سوف يجعل التجربة فريدة وناجحة ويمهد الطريق لصناعات أخرى أكثر تعقيدا.
فالسيارة غزال1 رمز يؤكد القدرة على دخول مجال التصنيع والإبداع فيه بشكلٍ قوي وبصورةٍ علمية مقننة، ويعزز الثقة بالشباب السعودي والعقل السعودي المبدع. كما يعطي تصنيع هذه السيارة دلالة واضحة للمجتمع على جودة مخرجات التعليم الهندسي في السعودية، وأن الخريجين قادرون على اقتحام جميع المجالات الصناعية والتقنية بكل ثقة متى ما توافرت البيئة المناسبة.
والجامعة بتقديمها لهذا المنتج تسعى إلى الارتقاء بثقافة التصنيع في المملكة والدخول في مجالات يعدها البعض حكرا على دول محدودة، كما تسعى الجامعة إلى تهيئة المهندسين الشباب للإشراك في البحوث والتطوير في مجالات التصنيع باستخدام أحدث البرمجيات وبالشراكة مع أشهر بيوت التصميم العالمية، كما تعي الجامعة أنها مركز بحثي وتطويري وليست خط إنتاج تصنيعي.
