قبل عامين كانت صناديق الثروة السيادية بمثابة البعبع بالنسبة للتمويل العالمي. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية فبدا الأمر وكأن المخاوف بشأن هذه الصناديق قد تلاشت. والآن بعد أن بدأت الأزمة في الانحسار، عادت المخاوف بشأن صناديق الثروة السيادية وسلوكها.
إن صناديق الثروة السيادية تحب تصوير نفسها بوصفها صناديق مستقلة سياسية وأداة استثمار ذات دوافع تجارية. لكن الأعوام القليلة الماضية أثبتت أن هذه الصناديق في أوقات الأزمات ليست محصنة ضد الضغوط السياسية الرامية إلى دفعها إلى إعادة تركيز مخصصات محافظها الاستثمارية نحو الاستثمارات المحلية. وهذا الميل في أوقات الانحدار الاقتصادي يشير إلى أن صناديق الثروة السيادية لا تمثل في واقع الأمر حاملين مستقرين لأسهم الشركات الأجنبية لآجال طويلة كما تزعم (وكما يزعم بعض المعلقين).
ففي الأعوام التي أعقبت عام 2000، لكن قبل اندلاع الأزمة المالية، كانت نسبة استثمارات صناديق الثروة السيادية المخصصة للأسواق الخارجية ترتفع على نحو مطرد، حتى بلغت ذروتها (90 في المائة) أثناء الربع الثاني من عام 2008. لكن أثناء النصف الثاني من عام 2008 أصبح تراجع صناديق الثروة السيادية نحو الأسواق المحلية جلياً واضحا. بل مع انتشار الأزمة المالية إلى الأسواق الناشئة التي تستضيف أغلبيةناديق الثروة السيادية، هبطت حصة الاستثمار الخارجي في المحافظ الاستثمارية لصناديق الثروة السيادية بنسبة 60 في المائة وخلال النصف الثاني من عام 2009، ومع تعافي الاقتصاد العالمي، انعكس ذلك الاتجاه. لكن الرسالة واضحة: حين يحتاج الاقتصاد المحلي إلى الاستقرار، فإن صناديق الثروة السيادية ستحول تركيزها إلى الاستثمارات الداخلية. وفي حالة وقوع حديث اقتصادي عالمي، مثل الأزمة الأخيرة، فإن هذا قد يعني الانسحاب من الأسواق الخارجية وهي في أضعف وضع ممكن.
وقد يبدو من المعقول أن يبرر "التراجع نحو الداخل" بانكماش الفرص في الأسواق الخارجية، وليس الرغبة في تعزيز استقرار الاقتصاد المحلي. ذلك أن الأسواق المتقدمة، وهي الأهداف المفضلة لاستثمارات صناديق الثروة السيادية، كانت أول المواقع التي ضربتها الأزمة المالية في الفترة من 2007 إلى 2008. بيد أن هذه الحجة معيبة، وهناك حقيقتان واضحتان تدللان على ذلك. الأولى أننا شهدنا أمثلة متعددة للاستثمارات المحلية من جانب صناديق الثروة السيادية التي استهدفت بوضوح دعم استقرار الاقتصاد المحلي. وبعد أن خسرت سوق الأوراق المالية في الدوحة 20 في المائة من تمويلها الرأسمالي أثناء الفترة من كانون الثاني (يناير) إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2009، سارعت هيئة الاستثمار في قطر إلى حقن قطاعها المصرفي المحلي بمبلغ 5.3 مليار دولار من خلال شراء حصة تبلغ 20 في المائة من كل من البنوك الخمسة المسجلة في سوق البورصة المحلية. كما تسببت خسائر مماثلة في سوق البورصة في الكويت في دفع هيئة الاستثمار الكويتية إلى استثمار 5.4 مليار دولار في صندوق جديد المقصود منه توفير السيولة للسوق المحلية، وشراء حصة بلغت 24 في المائة في بنك الخليج بقيمة 1.5 مليار دولار. كما ضخت الصين أكثر من 46 مليار دولار إلى بنك التنمية الصيني وبنك إيفربرايت الصيني من خلال استثمارات نفذها صندوق الثروة السيادية الصيني، مؤسسة الصين للاستثمار. وهناك أمثلة أخرى وفيرة لمحاولات دعم الاستقرار المحلي باستخدام صناديق الثروة السيادية. والحقيقة الأخرى أن الانحدار أثناء الأزمة المالية لم يقتصر على استثمارات رأس المال الأجنبي فحسب، بل إن صناديق الثروة السيادية اشتركت أخيرا أيضاً في موجة غير مسبوقة من تصفية الاستثمارات، خاصة للحيازات الأجنبية. ورغم أن الأنباء عن تصفية صناديق الثروة السيادية كانت نادرة للغاية تاريخياً، فقد أحصينا نحو 23 حالة تصفية لاستثمارات صناديق الثروة السيادية أثناء عام 2009، وبلغت قيمة هذه التصفيات 14 مليار دولار. واشتملت 18 من حالات تصفية الاستثمار تلك، التي تقرب قيمتها من 13 مليار دولار، على أهداف خارجية.
ويتفاقم هذا التركيز المتزايد على الاستثمار المحلي على حساب الاستثمارات الخارجية بفعل انكماش الأصول الخاضعة لإدارة صناديق الثروة السيادية أثناء الأزمات. ذلك أن انخفاض عائدات استثمارات صناديق الثروة السيادية السابقة أدى إلى تقليص حجم أصولها الموجودة، في حين أدى انخفاض أسعار السلع الأساسية وانكماش التجارة الدولية إلى تناقص تراكم احتياطيات العملة الأجنبية, التي تشكل عادة القسم الأعظم من الرساميل الجديدة المتدفقة إلى صناديق الثروة السيادية. وفي وقت الأزمة لم تكتف صناديق الثروة السيادية باستثمار حصة أصغر من محافظها الاستثمارية في الخارج وتصفية استثماراتها في بعض الحيازات الأجنبية، بل إن القيمة الإجمالية لاستثماراتها تميل إلى التقلص الآن.
ومن المعقول أن يكون السلوك الدوري لصناديق الثروة السيادية مسؤولاً عن الأداء الضعيف لحيازاتها. وتميل صناديق الثروة السيادية إلى زيادة استثماراتها في الأسواق الأجنبية في أوقات الرواج وحين يكون من المرجح أن ترتفع أسعار الأسهم إلى حدود مبالغ فيها، كما تميل إلى تصفية استثماراتها أثناء فترات الركود في الأسواق. وعلى هذا فإن الأداء الضعيف لمحافظ استثمار أسهم صناديق الثروة السيادية قد يكون راجعاً إلى توقيت غير محظوظ, لكنه مقيد، وليس إلى سوء اختيار الأسهم.
وعموماً فإن ما حدث على مدى العامين الماضيين كان عبارة عن تراجع مؤقت من جانب صناديق الثروة السيادية عن الأسواق الأجنبية في البلدان المتقدمة. وتحب صناديق الثروة السيادية أن تصور نفسها وكأنها مؤسسات مستقلة، ورغم ذلك فمن الواضح أنها تعجز بمجرد تعثر الاقتصاد المحلي عن تجاهل الضغوط المجمعة من جانب أجهزة الإعلام، والرأي العام، والساسة في الداخل، وكلهم يشككون في الحكمة من استثمار الثروات المحلية في الخارج في أوقات الأزمة.
ومع ذلك فإن هذا الاتجاه من غير الممكن أن يستمر إلى الأبد، وذلك لأن عديدا من البلدان التي تستضيف صناديق الثروة السيادية لا تقدم ببساطة فرص الاستثمار الجذابة الكافية لاستيعاب القسم الأعظم من استثمارات صناديق الثروة السيادية. فضلاً عن ذلك فإن الاقتصاد المحلي لا يقدم فوائد التنوع التي تسعى إلى الحصول عليها البلدان التي تعتمد على العائدات التي تدرها سلعة واحدة.
ونتيجة لهذا, فمن غير الممكن أن نتوقع استمرار أي تراجع نحو المحلية من جانب صناديق الثروة السيادية. بل كان بوسعنا أن نشهد أولى إشارات النمو الجديد في استثمارات صناديق الثروة السيادية في الخارج بحلول نهاية عام 2009. وفي الوقت نفسه، فإن الفوائد المتوقعة من عمل صناديق الثروة السيادية كحملة للأسهم ـ بمعنى الحصول على مستثمر ثابت طويل الأجمل ـ قد تكون مجرد سراب يختفي حين تشتد الحاجة إلى الاستقرار: أثناء الأزمة المالية العالمية.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
www.project-syndicate.org
