هل يفكر الواحد منا حقاً في ماذا يريد أن يكون في مستقبله؟ ترى ماذا نريد أن نكون؟ أسئلة طرحت على طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره، وهي أسئلة قد تكون ترددت من قبل على مسامع عديد منا فكانت إجابته - أي الطفل - متعجباً: هل يجب علي أن أفكر في المستقبل؟ أم أصنع المستقبل؟!
هذه الإجابة من ذاك الطفل الصغير جعلتني أفكر بعمق في عبارة (أصنع المستقبل)، فالمستقبل يشير دائما إلى الشيء المجهول غير المعروف، فهو زمن لم يحدث بعد لكنه حادث لا انفكاك، لذا لا بد من التنبؤ به، وذلك من خلال صناعته وصياغته، ولعل مقولة Denis Gabor، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1971م (إن أفضل وسيلة للتنبؤ بالمستقبل هي أن نخترعه) لها نصيب من الحقيقة، فالتفكير لدى الإنسان يجب ألا يكون في حدود محاولته استشراف المستقبل بشكل عام، إنما يجب أن يمتد ذلك التفكير ليشمل تفكيره في كيفية تشكيل المستقبل وصناعته وتحديد معالمه بما يتفق مع طموحاته هو وطموحات مجتمعه واحتياجاته، ومن ثم العمل الجاد على تحقيق ذلك عبر تفكير استراتيجي عميق. وإذا كان ذلك اللون من التفكير ضرورياً على مستوى الأفراد، فكيف بمنظمات الأعمال التي تعمل في بيئة معقدة للغاية مع تنامي حدة المنافسة على المستويات الوطنية والدولية.
تنبؤ المستقبل أصبح اليوم محط اهتمام الكثير من منظمات الأعمال التي لابد لها من القيام بقفزة فكرية وتفكيرية بنشاطها الحالي إلى التفكير في نشاطها المستقبلي وامتلاك القوة اللازمة لإنشاء وصناعة المستقبل، فهي في حاجة إلى صياغة مستقبلها ومسابقة هذا العصر برؤية مستقبلية مكتملة وواضحة المعالم وبخطة استراتيجية محكمة من خلال توفير قاعدة عريضة من المعلومات المتراكمة حول البيئة الخارجية والداخلية والماضي والحاضر، وتحليلها تحليلاً علمياً دقيقاً لتحديد الفرص والتهديدات ونقاط القوة والضعف. وعلى ضوء ذلك وضع وصياغة خطة استراتيجية عامة لمستقبلها تمثل القوى الدافعة والتنظيم الدقيق للمنظمة من أجل التركيز على كل ما يحقق الميزة التنافسية لها مستقبلاً، حيث نرى كوكبة ليست بالقليلة من المنظمات التي عجزت عن خلق خريطة الطريق وتتبع التقدم المحرز لعدم تبصرها في تبني الرؤية الاستراتيجية المستقبلية لها وكيفية تكوينها، إذن نحن أمام مشكلة جوهرية، وهي انعدام وعدم الاهتمام بالنظرة المستقبلية في هذه المنظمات.
ووفق مصطلحات الإدارة الاستراتيجية فمصطلح الرؤية الاستراتيجية لدى الدكتور ثابت إدريس والدكتورجمال المرسي في كتابهما الإدارة الاستراتيجية هي: (المسار المستقبلي للمنظمة الذي يحدد الوجهة التي ترغب في الوصول إليها والمركز السوقي الذي تنوي تحقيقه ونوعية القدرات والإمكانات التي تخطط لتنميتها)، إذن فهي تلك الصورة المستقبلية الجذابة الطموحة للمنظمة التي تريد الوصول اليها في فترة زمنية معينة.
صياغة رؤية استراتيجية مستقبلية ذات هوية مميزة للمنظمة تعتبر اللبنة الأساسية ومرحلة البدء لعملية الإدارة الاستراتيجية التي على ضوئها تبنى الغايات والاهداف التي تسعى إلى تحقيقها ومن ثم ترسم السياسات التي من خلالها تنجز أنشطتها وأعمالها المختلفة التي تسهم في تحقيق الاستراتيجية الفعالة. لذا آن الأوان لمنظمات الأعمال أن تمارس التفكير الاستراتيجي المبتكر الخلاق حول مستقبلها، فهو الوسيلة الأنجع في عالم التأثيرات المتنامية للمتغيرات والمستجدات، والذي يشكل منظومة من التحولات المتسارعة في الألفية القادمة، التي تجعلها في النهاية قادرة على النمو أو على الأقل الاستمرار والبقاء في بيئة أعمال لا ترحم من لا يفكر بطريقة استراتيجية.
(نعم) لتمضي قدما يا طفل هذا العصر، ولتبدأ من الغد في صناعة واختراع مستقبلك، فأحسب الأطفال الجيل القادم الذي يستطيع صناعة غد واعد قوامه رؤية استراتيجية مستقبلية، ولتستفيد منظمات الأعمال من جموح ذلك الطفل في تفكيره المستقبلي وتطلعاته الطموحة!
