كان عنوان حلقتنا الماضية ( مولد كلمة حقوق الإنسان ) وأشرنا إلى أن بداية استخدام تلك الكلمة كان في أوروبا بعد نجاح الثورة الفرنسية في عام 1789م عندما أعلن قادة تلك الثورة وثيقة حقوق الإنسان وإلغاء نظام الإقطاع السائد آنذاك في أوروبا والذي أدى إلى استعباد العاملين في الأراضي وحرمانهم من كثير من حقوقهم ، كما بدأنا في الحديث عن تركيز تلك الثورة على حرية الرجل فقط دون الإشارة إلى المرأة. والآن نتحدث عن :
حقوق المرأة في الحرية
فشلت محاولات عديدة في فرنسا بعد الثورة لمساواة المرأة بالرجل في الحق في الحرية دون تمييز بينهما وظلت المادة الأولى من إعلان وثيقة حقوق الإنسان في فرنسا في ظل الثورة الفرنسية مقصورة على قولها ( يولد الرجل حراً ولا يجوز استعباده ) ، والمعروف أن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه هو أول من قال ( قولته المشهورة ) وسؤاله المدوي الخالد : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ والغريب في الأمر أنه بعد قرن من موقف الثورة الفرنسية تجاه المرأة جاء العالم الفرنسي والفيلسوف الاجتماعي ( غوستاف لوبون ) ليؤكد نفس الموقف المذكور ضد المرأة حين قال : ( إن المرأة لم تكن قط مساوية للرجل إلا في عهود الانحطاط! ) وكان كلامه هذا رداً على من طالب بمساواة المرأة بالرجل الفرنسي وإعطائها حق الانتخاب ولكن ولحسن الحظ قامت منظمة الأمم المتحدة فيما بعد بتصحيح ذلك الموقف الفرنسي الظالم وذلك بميثاقها الصادر في عام 1945م حيث قالت المنظمة ( في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948م ) قالت في المادة الأولى من الميثاق : ( إن جميع المخلوقات الإنسانية تتمتع منذ ولادتها بالحرية والحقوق الأساسية التي لا يجوز التنازل عنها لا مقصوراً فقط على الرجل كما جاء في الوثيقة الفرنسية ) لذلك اقتبست الأمم المتحدة الأفكار الفرنسية لحقوق الإنسان وعدلتها ليولد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) عام 1948م سليماً وغير مشوه وكان من أهم أسباب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمكون من (30) مادة هو المعاناة الكبيرة التي عاناها العالم بشكل عام وأوروبا بشكل خاص من الحرب المدمرة العالمية التي خلفت أكثر من (17) مليون قتيل من العسكريين أما المدنيين فكانوا أكثر من ذلك وليس هناك إحصائيات دقيقة للقتلى وربما العدد لا يقل عن (20) مليون إنسان وذلك بسبب المجاعة والغازات والقنابل والمذابح البشرية والأوبئة التي سببتها الحرب كانت تلك الحرب هي التي امتدت ست سنوات (1939- 1945 م) هي الحرب العالمية الثانية البشعة التي كانت أكبر حرب ضروس شهدها الإنسان حتى الآن والتي طالت أكثر أجزاء العالم في الأدغال وفي الصحاري والغابات وفوق الماء وتحته وفي مناطق متجمدة في الاتحاد السوفيتي السابق وفي الجزر والبحار والمحيطات وحتى في الشوارع ! وكان من الأسباب الرئيسة للدمار الذي حصل في الأرواح والمدن والثروات هو استخــدام القوات المتحاربة للطائرات المقاتلة وقاذفات القنابل وحامـــلات الطائرات ( القواعد الجوية العائمة ) بشكل كبير بجانب استخدام أمريكا للقنبلة الذرية على اليابان الذي لا تزال فيه آثار لذلك الدمار الهائل حتى الآن وفي نهاية تلك الحرب كانت البداية لاستخدام الإنسان للطاقة الذرية ، وفي الحلقة القادمة (129) نتناول ما أمكن من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
