الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كان لتسارع وتيرة العولمة الاقتصادية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى تنامي التجارة العالمية بسرعات مذهلة، تكاد تقارب السرعة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي؛ فضلاً عن تحرر أسواق التمويل في كثير من البلدان والتدفقات الرأسمالية بين الدول ‏- كان لذلك كله أثره السريع والمباشر الإيجابي في اقتصادات بعض الدول أكثر من غيرها. وفرضت، في الوقت نفسه، تحديات كبيرة وحديثة على الدول الناهضة والنامية خاصة‏,‏ حيث بات لزاما عليها مواجهة مزيد من التنافسية بعد سقوط الحواجز وتقارب الأسواق وتحول العالم بفعل ثورة المعرفة والتقنية إلى قرية صغيرة مكشوفة‏!

ويعُدُّ مفهوم التنافسية من المفاهيم, التي ما زالت تُحاط ببعض اللبس والغموض, لحداثته وعدم خضوعه لنظرية اقتصادية عامة. وزاد الاهتمام العالمي بالتنافسية مع قيام المنتدى الاقتصادي العالمي, الذي نشأ مطلع العقد السابع من القرن الماضي,‏ ويعقد اجتماعا سنويا في دافوس.

وأسهم الاقتصادي المعروف مايكل بورتر من خلال كتابه: ''الميزة التنافسية للأمم'' عام ‏1990,‏ في تدشين أول نظرية عن التنافسية تعتمد على أسباب الإنتاجية بدلاً من الاعتماد على الموارد والهبات الطبيعية أو الميزة النسبية‏,‏ وحثَّ بورتر صنَّاع القرار والتنفيذيين على دراسة دور العوامل الاقتصادية الكلية والجزئية التي تؤثر في كل من الإنتاجية والتنافسية‏.‏ ومنذ ذلك الحين اعتمد التقرير العالمي للتنافسية على أعمال بورتر, وتطور المفهوم في التقارير المتتابعة سنويا ليصل إلى تعريف التنافسية أخيرا بأنها مجموعة المؤسسات والسياسات والعوامل التي تحدد مستوى الإنتاجية في دولة ما‏.. ثم كان لا بد من التفكير في وسيلة أو مؤشر للقياس لمقارنة تطور الاقتصادات, وتطورت المنهجية المستخدمة لقياس التنافسية على مرِّ السنين‏,‏ وكان الهدف إيجاد مؤشر يعكس بدقة كل العناصر المؤثِّرة في الإنتاجية من ناحية‏,‏ وتغطية أكبر عدد ممكن من الدول والمناطق الجغرافية من ناحية أخرى‏,‏ ومن هنا نشأ المؤشر العالمي للتنافسية.

ووعيًا من الأمير سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض - حفظه الله - بتطبيق هذا المفهوم للرفع من تنافسية اقتصاد العاصمة الرياض؛ تواصلاً مع مكانة الاقتصاد السعودي، الأكبر عربيا، باحتلاله المرتبة 26 عالميا، وبالنظر إلى عضوية المملكة الفاعلة في مجموعة العشرين, واستنادا إلى دورها البارز في المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية, ما منح اقتصادها زخما جعلها في مرتبة متقدمة في مؤشر التنافسية الدولية. ولثقة الأمير سلمان الكبيرة بقدرة اقتصاد العاصمة الرياض على خلق ميزة تنافسية، وهي قدرة كبيرة مقارنة بما تمتلكه منطقة الرياض من موارد طبيعية ومن قدرات اقتصادية ومالية؛ بادر صاحب المبادرات المتميزة بتأسيس مركز الرياض للتنافسية؛ لتأصيل ودعم استمرارية العمل الدؤوب في سبيل تطوير الرياض وازدهارها، لتكون منبراً ومركزاً عالمياً يشار إليه بالبنان؛ وخطوة مهمة ضمن الجهود الطيبة والمشكورة والمستمرة التي يبذلها -حفظه الله - جنبا إلى جنب مع رعايته الكريمة فعاليات الغرفة التجارية والصناعية في الرياض وتوجيهاته السديدة، في هذا الخصوص، لتهيئة البيئة الاستثمارية الملائمة لاستقطاب شركات القطاع الخاص ورجال الأعمال والمستثمرين الراغبين في تأسيس مشاريعهم الاستثمارية في العاصمة؛ لمواكبة التطورات الاقتصادية التي تشهدها المدن العالمية بسعيها المتواصل لتعزيز وجودها على خريطة الاستثمار الدولي من خلال إبراز قدراتها التنافسية ومزاياها النسبية. وتوج الأمير سلمان هذا المركز الاقتصادي والحضاري باختياره الأمير الشاب محمد بن سلمان، لرئاسته، كدليل على حرصه - حفظه الله - على متابعة هذا الموضوع الاستراتيجي للتطور شخصيا، ويشكّل في الوقت نفسه، تطويرا جديدا متناميا لثقافة التنافسية وبنيتها المؤسَّسية في بلادنا؛ ما يبشّر بالخير لمن يهتمون ويعرفون مدى حاجتنا إلى ذلك؛ ليشكّل المركز مع منتدى التنافسية الدولي الذي أسسته الهيئة العامة للاستثمار عام 2006، كأكبر تجمع اقتصادي سنوي لمحركي المال في أكثر الدول تأثيرا في الاقتصاد العالمي وبعض الدول الصناعية المتقدمة التي يشارك ممثلون منها في أعماله, جناحي الإدارة التنافسية في المملكة بإطلاقهما مبادرات جديدة تشجع القطاع الخاص، على تبني ممارسات مبتَكَرة وبرامج قطاعية جديدة، تثري البيئة التنافسية المسؤولة، وتتيح للقطاع الخاص المشاركة الفاعلة في دعم التنمية المستدامة على المدى البعيد؛ وبما يحملانه من رسالة رائدة تتمثل في رفع مستوى الوعي والاهتمام تجاه تحديات التنافسية المحلية والعالمية، ومناقشة الموضوعات ذات العلاقة بالتنافسية، مثل: بيئة الأعمال والتجارة الدولية والتنمية المستدامة والبيئة وتطوير الموارد البشرية والابتكار والعولمة، إضافة إلى قضايا الاقتصاد الكلي والجزئي التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتنافسية.

الرياض، وهي مركز الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة، تستجيب بشكل مستمر لتطورات التنمية وتطبيق شروط تعزيزها وفق أحدث الممارسات، ومن الطبيعي أن تضطلع بدور رائد وفاعل في ظل رعاية أميرها المحبوب، لتحسين وتطوير البنية التنافسية للاقتصاد السعودي عموماً والاقتصاد المحلي بشكل خاص. حيث تُقاس التنافسية بقدرة الإدارة على تنسيق واستثمار الموارد والقدرات والمهارات لتحقيق التميز في الخدمات المقدمة للمستهلكين، من خلال إعداد الدراسات الاستراتيجية وتقديم الاستشارات الاقتصادية والإدارية, وترتكز على تعظيم الاستفادة من المزايا التي يوفرها الاقتصاد بما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية.

إن مركز تنافسية الرياض يمكن قراءته بوصفه أولى خطواتها ليس لتكون عاصمة تنافسية بشكل مؤسسي ومنهجي، بحيث يعمل على وضع استراتيجية بناء على دراسات وأبحاث علمية تحدد الميزة التنافسية التي يمكن التركيز عليها، فحسب, بل تجاوز ذلك؛ لتصبح عاصمة للتنافسية في العالم، وذلك باستثمار القدرات البشرية والموارد الطبيعية واستخدام التقنية؛ لتحقيق هدف التنافسية.

ولعل وضوح الرؤية وسمو الهدف وحسن إدارة الإمكانات تؤسس لنجاح المسيرة وإنضاج ثمارها, خاصةً أن نجاح تطبيق التنافسية يتوقف على مدى قدرة الإدارة على تحقيق معدل مرتفع للنمو الاقتصادي الذي ينعكس بدوره على تحسين دخل الفرد من خلال تحسين الإنتاجية لضمان هذا النمو. وبتطبيق الأمير سلمان تلك المبادئ الإدارية العالمية بهذه الروح التنافسية لخدمة التنمية الوطنية، يضعنا على خريطة الطريق نحو الارتقاء بمستوى الإدارة الاقتصادية، وهذا هو التوجه الحديث في الإدارة المحلية، التي يتسنّم سموه الكريم ريادتها.

نهنئ أنفسنا جميعا والعاصمة الرياض ومواطنيها على وجه الخصوص على هذا التوجه الكريم الذي يشكّل نقطة تحول نوعية؛ تضع العاصمة السعودية في مكانها اللائق على خريطة الاقتصاد العالمي. ونأمل أن تؤدي هذه الجهود إلى تحسن ترتيب السعودية في كل المؤشرات المكونة للقدرة التنافسية؛ لتحتل المكانة التي تستحقها بالفعل بين الدول‏؛ ويصبح مركز تنافسية الرياض ملتقىً للحوار بين الخبراء الاقتصاديين وممثلي قطاع الأعمال الخاص وصناع القرار, إضافة إلى ممثلي مؤسسات المجتمع المدني بهدف نشر الوعي بمفهوم التنافسية وأهميتها بالنسبة للمملكة بين مختلف قطاعات المجتمع لتحقيق رسالة المركز, وهي دعم القدرات التنافسية للمملكة عامة ومنطقة الرياض خاصة عن طريق إلقاء الضوء على وضع العاصمة التنافسي على مستوى العالم مقارنةً بعواصم الدول الأخرى من خلال دراسة وتحليل مؤشرات التنافسية الدولية‏,‏ ودراسة أهم العوامل التي تؤثر في تنافسية الاقتصاد السعودي بالسلب أو بالإيجاب‏,‏ وإيجاد حالة من الحوار البنّاء في المجتمع السعودي حول كيفية الارتقاء بوضع المملكة التنافسي‏.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية