نشرت وكالة الطاقة الدولية IEA الأربعاء 23 حزيران (يونيو) تقريرا جديدا عن ''توقعات أسواق النفط والغاز على المدى المتوسط''. الآفاق المستقبلية الجديدة للوكالة توفر توقعات للعرض والطلب حتى عام 2015. حيث أشار التقرير إلى أن بوادر الانتعاش بدأت تظهر في أسواق النفط والغاز، لكن الآثار المترتبة على الركود الاقتصادي تختلف من منطقة إلى أخرى، والتوقعات لا تزال غير مؤكدة جدا.
حذر تقرير الوكالة الدولية للطاقة من أنه على الرغم من أن أسواق النفط العالمية لا تعاني نقصا في الإمدادات في الوقت الراهن، مع وجود كميات كافية من الطاقات الإنتاجية الاحتياطية، لكن لا ينبغي على المضاربين في الأسواق أن يظلوا ''راضين'' بسبب الزيادات المتوقعة في الطلب والفترة الزمنية الفاصلة في جلب إمدادات جديدة إلى السوق. حيث يشير التقرير إلى أن إمدادات النفط من الممكن أن تضيق من دون تحسين كفاءة استخدام الطاقة أو حدوث تنوع في وقود النقل. أشارت الوكالة أيضا إلى دور البلدان من خارج منظمة التعاون والتنمية، المسؤولة تقريبا عن معظم النمو المتوقع في الطلب على النفط، وإلى أهمية قطاع النقل في دفع عجلة الطلب على الوقود. في هذا الجانب تشجع وكالة الطاقة الدولية الدول المستهلكة على تعزيز كفاءة استخدام الطاقة ''لضمان سلاسة التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون''، في حين أشارت إلى أن ـ في جانب العرض ـ النمو سيتركز في عدد قليل من البلدان ومعظم الإمدادات ستكون من حقول قديمة هي حاليا في حالة هبوط في الإنتاج.
في جانب الطلب تبين وكالة الطاقة الدولية أن النمو الاقتصادي وتعزيز كفاءة استخدام الوقود سيحددان نمو الاستهلاك على مدى السنوات الخمس المقبلة. ضمن السيناريو المرجعي للوكالة أن هذين العاملين من المرجح أن يعوض بعضها بعضا، حيث من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في حدود 3.6 في المائة سنويا بين عامي 2009 و2015، بينما من المتوقع أن تتحسن الكفاءة في استخدام الوقود بنحو 3 في المائة سنويا. بناء على هذه الافتراضات، تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب على النفط في جميع أنحاء العالم من 84.8 مليون برميل يوميا عام 2009 إلى ما يقل قليلا عن 92 مليون برميل يوميا عام 2015، أي بمعدل زيادة سنوية تقدر بنحو 1.19 مليون برميل يوميا، أو 1.4 في المائة. توقعاتها الحالية لعام 2014 كانت أعلى بنحو مليوني برميل يوميا مقارنة بتوقعاتها في العام الماضي. في كل من أسواق النفط والغاز، ترى وكالة الطاقة الدولية وجود تباين بين البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبلدان من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث من المتوقع نمو قوي في الصين والهند، والشرق الأوسط في مقابل ضعف في الطلب في أماكن أخرى, خاصة في أوروبا, نتيجة اقتصادها الهش. هذه الاتجاهات المتناقضة تجعل من الصعب أن نرى كيف ستنمو أسواق النفط والغاز في المدى المتوسط، لكن ما هو واضح، قالت الوكالة، أن كلتا السوقين ستحتاجان إلى مزيد من الاستثمارات، وتركيز أكثر على تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتحسين البيانات.
من المتوقع أن يرتفع الطلب على النفط بنسبة 3.5 في المائة سنويا في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في حين الطلب على النفط في الدول الصناعية من المتوقع أن ينخفض. نتيجة لذلك، فإن إجمالي استهلاك النفط في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من المتوقع أن يتجاوز الطلب في دول المنظمة عام 2013، من المتوقع أن يكون أعلى بنحو 4.5 مليون برميل يوميا عام 2015. حيث إن الانخفاض في استخدام وقود التدفئة، وتحقيق استقرار في عدد السيارات على الطريق ورفع مستويات الكفاءة في استخدام الوقود ستعمل على خفض استهلاك النفط في دول منظمة التعاون والتنمية.
معظم النفط سيستهلك في قطاع النقل والمواصلات، مع ''وقود نواتج التقطير'', هذه الفئة التي تشمل وقود الديزل، من المتوقع أن تشهد نموا حادا بين المنتجات النفطية المكررة الأخرى. بحلول عام 2015، من المتوقع أن يشكل الوقود المستهلك في قطاع النقل نحو 60 في المائة من الطلب على المنتجات النفطية ـ حسب تقرير الوكالة.
إضافة إلى السيناريو المرجعي, ناقش تقرير الوكالة الدولية للطاقة سيناريو آخر: سيناريو النمو المنخفض في الناتج المحلي الإجمالي، ضمن هذا السيناريو تتوقع الوكالة نمو الطلب على النفط بنحو 840 ألف برميل في اليوم سنويا, أو 1 في المائة سنويا. هذه الحالة تعكس توقعات في النمو الاقتصادي السنوي بنحو 2.5 في المائة، مع بلوغ الطلب على النفط نحو 90 مليون برميل يوميا عام 2015، أي بزيادة قدرها خمسة ملايين برميل يوميا على عام 2009.
علاوة على ذلك, تعترف الوكالة بأن هناك كثيرا من المخاطر بخصوص هذه التوقعات، نحو الجانب السلبي والاتجاه التصاعدي على حد سواء، قد تؤثر في توقعاتها. تشمل هذه وتيرة الانتعاش الاقتصادي، تقلب أسعار السلع الأساسية، مصير دعم الأسعار في العالم النامي، سرعة تحقيق مكاسب في كفاءة استخدام الوقود، التطورات التكنولوجية والتغيرات في سلوك المستهلكين.
أما بخصوص العرض، فقد ذكر تقرير الوكالة أن ارتفاع الأسعار، وانخفاض التكاليف وزيادة الإنفاق على المشاريع الاستخراجية, خلقت نظرة أكثر إيجابية بخصوص توقعات الإمدادات. حيث في هذا الجانب أصبحت وكالة الطاقة الدولية أكثر تفاؤلا إلى حد ما مقارنة بتقريرها الأخير، حيث أضافت إلى توقعاتها السابقة نحو 0.5 مليون برميل يوميا إلى الإمدادات من الدول من خارج ''أوبك'' لعام 2014, ورفعته من 52 مليون برميل يوميا إلى 52.5 مليون برميل يوميا. إضافة إلى ذلك، فإن الوكالة بددت قضية ذروة النفط، في هذا الصدد قال التقرير إن المخاوف من وجود ذروة وشيكة في إمدادات النفط يبدو أنه قد تلاشى في الوقت الراهن. أضاف التقرير إلى أن توقعات الإمدادات النفطية تظهر تحسنا ملحوظا مقارنة بالعام الماضي، وأنه في حين أن العرض من خارج دول ''أوبك'' ما زال ينمو ببطء، فإنتاج دول ''أوبك'' من النفط وسوائل الغاز الطبيعي تشكل الجزء الأكبر من توقعات الوكالة من النمو في الإنتاج بنحو 5.4 مليون برميل يوميا بحلول عام 2015.
أكبر زيادة خارج دول ''أوبك'' متوقعة في كندا، نحو 1.06 مليون برميل يوميا من الرمال النفطية في ألبرتا، البرازيل تسهم أيضا من خلال بدء الإنتاج من حقل توبي Tupi, الذي من المتوقع أن يضيف نحو 100 ألف برميل في اليوم هذا العام ومثلها في عام 2015، إضافة إلى 100 ألف برميل يوميا من كل من حقلي Guara and Iara في عام 2013 و2015 على التوالي، إجماليا من المتوقع أن تضيف البرازيل نحو 840 ألف برميل يوميا بين عامي 2009 و2015. من المتوقع أن تشهد كولومبيا أيضا زيادة ملحوظة بنحو 460 ألف برميل يوميا. في حين من المتوقع أن تسهم كازاخستان بنحو 450 ألف برميل يوميا من حقل كاشاجان في بحر قزوين. جزء كبير من هذا النمو من المتوقع أن يعوض انخفاض الإنتاج بنحو 580 ألف برميل يوميا من المملكة المتحدة و480 ألف برميل يوميا من الولايات المتحدة والمكسيك، بينما النرويج من المتوقع أن تفقد نحو 450 ألف برميل يوميا خلال السنوات الخمس المقبلة.
من المثير للاهتمام، أن الوكالة قامت بخفض معدلات انخفاض الإنتاج Decline Rate من الحقول النفطية للدول من خارج ''أوبك'' من 5.8 في المائة العام الماضي إلى 5.1 في المائة هذا العام، استنادا إلى مراقبة معدل الانخفاض في الحقول القديمة على مدار عام 2008/2009.
أما بخصوص أسواق الغاز، فيشير التقرير إلى أن الطلب على الغاز انخفض بشكل حاد في عام 2009 نتيجة الأزمة الاقتصادية، مع وجود تباين كبير بين المناطق. حيث إن الطلب على الغاز في بلدان منظمة التعاون والتنمية انخفض بنسبة 3.3 في المائة في المتوسط، في حين ازداد بقوة في الصين والهند والشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA Region. وتتوقع الوكالة عودة الطلب على الغاز في بلدان منظمة التعاون والتنمية إلى مستويات طلب عام 2008 بحلول عام 2012، لكن مع تفاوت كبير بين المناطق، حيث من المتوقع انتعاش الطلب الأوروبي بوتيرة أبطأ من أي مكان آخر. في الوقت نفسه، يتوقع التقرير نموا قويا في الطلب على الغاز في الصين، حيث تضاعف الطلب إلى 140 مليار متر مكعب بحلول عام 2015 مقارنة بعام 2007, ينظر إليه الآن على كونه توقعا متحفظا. هذا من شأنه جعل الصين أكبر مستهلك للغاز من أي بلد من بلدان منظمة التعاون والتنمية باستثناء الولايات المتحدة.
أما من جانب العرض، فيشير التقرير إلى أن استمرار ارتفاع الإمدادات من مصادر الغاز غير التقليدية بسرعة، جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز في العالم عام 2009. الزيادة في الطاقات الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال تعني أن موجة جديدة من إمدادات الغاز ستصل إلى الأسواق خلال السنوات القليلة المقبلة يبلغ مجموعها ما يزيد على 120 مليار متر مكعب سنويا، أي بزيادة قدرها 50 في المائة على عام 2008، هذه الزيادة ستوفر ترابطا مهما بين المناطق, لكن في الوقت نفسه ستضع ضغوطا قوية على أسعار الغاز.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.
