الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يطلق كثير من العقاريين بين الآونة والأخرى تصريحات مضللة عن وجود أزمة سكن خانقة، وعجز كبير في عدد الوحدات السكنية المتوافرة، وتوقعات بأسعار عقار خيالية. ويروج بعضهم وجود عجز كبير في عدد الوحدات العقارية يصل إلى مليون وحدة سكنية. ومن المؤسف، أن كثيراً من وسائل الإعلام تكرر مثل هذا الرقم دون تفكير ولا تأكد من صحته. ولا أدري كيف ولا متى تم الخروج بهذا الرقم؟ فلا يوجد ـ على حد علمي ـ أي مصدر موثق يتحدث عن عجز بهذا الحجم في عدد المساكن في المملكة. ومن المعروف أن العجز في أي سلعة أو خدمة يبرز إلى الوجود في حالة تثبيت الأسعار عند مستويات معينة, وكلما زادت فترات تثبيت الأسعار وارتفعت الفروق بين الأسعار المثبتة والأسعار الحرة, ارتفعت مستويات العجز. وإذا لم تثبت الأسعار فإن ارتفاع الطلب بسرعة تفوق العرض يتسبب في صعود أسعار السلع والخدمات إلى مستويات أعلى حتى تتوازن الكميات المطلوبة مع المعروضة عند مستويات أسعار جديدة. ولا يخفى على أحد أن أسعار العقار في المملكة, سواء المعروض منها للبيع أو للإيجار, غير محددة ومثبتة عند أسعار معينة، ولهذا فإن ارتفاع الطلب أخيرا على الوحدات السكنية والتجارية, الذي تجاوز الموفر من قبل المستثمرين, رفع الأسعار عند مستويات توازن جديدة بين العرض والطلب، ولم يقد إلى عجز في عدد الوحدات السكنية, كما يصوره بعض العقاريين. من جهة أخرى، فإن وجود عجز يعني عدم توافر وحدات سكنية لجزء كبير من السكان, ما يدفع غير القادرين على توفير سكن إلى التشرد في الشوارع أو السكن في أماكن لا تخطر على بال، كما هو الحاصل في عدد من البلدان. فعند تثبيت مستويات الإيجارات في بعض الدول مثل مصر لفترات طويلة ولمستويات متدنية مقارنةً بمعدلات السوق الحرة، تباطأت حركت الاستثمار العقاري, ما قاد إلى عجز كبير في عدد المساكن. وقاد هذا العجز إلى تشرد عدد كبير من السكان, وسكن عديد منهم في أماكن لا تصلح للسكن ولا تخطر على بال أكثر المتشائمين, مثل المقابر. والمذهل أن حكومات تلك الدول سمحت لمشكلة السكن فيها بالتفاقم وعجزت عن إيجاد حلول لها بسبب انخفاض فاعلية تلك الحكومات وبسبب الفساد المستشري في الجهات الرسمية والخاصة. ولا أعتقد أننا نشاهد تشردا للسكان في المملكة حتى يمكن قبول فكرة وجود عجز في عدد المساكن، كما أن الجهات الرسمية لن تسمح بحدوث هذا على نطاق واسع كما هو حاصل في دول أخرى, صحيح أن هناك نسبة من السكان تسكن في أماكن غير لائقة للسكن, لكن عددهم يتناقص باستمرار, كما أن نسبتهم من إجمالي السكان منخفضة.

ويتعمد بعض العقاريين إطلاق تصريحات رنانة للتأثير في مستويات الطلب، فإطلاق تصريحات مضللة هدفه دفع الطلب إلى مستويات أعلى، ما يسهم في رفع الأسعار ويحقق أرباحا أعلى للمتاجرين في العقار. ويطلق كبار العقاريين تصريحات مدوية عن أزمة عقار ونقص كبير في الوحدات السكنية والتجارية أيضاً للتأثير في صغار المستثمرين وإيهامهم بوجود إمكانات للربح العالي في الأمد الطويل، ما يدفع بهؤلاء إلى الاستثمار في الوحدات السكنية والتجارية ودفع أسعار أعلى مما تستحق, ويرفع صغار المستثمرين العقاريين بالتالي من توقعاتهم بصعود الأسعار. وتبدأ الأسعار فعلاً في الارتفاع وترتفع مستويات المضاربة على العقارات. وبعد فترة زمنية يدرك صغار المستثمرين أن الطلب النهائي الحقيقي على الوحدات السكنية والتجارية عند الأسعار المرتفعة منخفض, وتبدأ عمليات البيع القسرية لتسديد الالتزامات المالية الناتجة عن الاستثمار العقاري. وبهذا تنشأ فقاعة عقار تنفجر بقوة مرسلةً الأسعار إلى مستويات منخفضة وتقود إلى تراجع كبير في أسعار الأصول العقارية وانكماش اقتصادي قوي. وهذا ما حدث في اليابان أثناء التسعينيات والولايات المتحدة ودبي حديثاً وما حصل في المملكة خلال الثمانينيات. ولهذا فإن إطلاق تصريحات بغرض التضليل أمر غير أخلاقي, وينتج عنه أرباح غير شرعية تستدعي التصدي لها وتوضيح الحقائق للمجتمع، كما يستدعي معاقبة المسؤولين عنها. والتصريح بأن هناك عجزاً مقداره مليون وحدة سكنية يعني وجود مليون أسرة من دون مساكن. ولا أعتقد أن وجود هذا العدد الكبير مقارنةً بعدد الأسر في المملكة, الذي يراوح بين أربعة وخمسة ملايين أسرة سيكون غير ملاحظ.

ومما لا شك فيه فإن التغيرات الكبيرة في أسعار العقار خلال الفترة الأخيرة والمتوقعة مستقبلاً أثرت وستؤثر سلباً في الدخول الحقيقية الحالية والمستقبلية، وستخفض من مستويات الطلب السكني في الأمد الطويل. وسيؤثر ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وانخفاض الأجور بصورة سلبية في طلب الوحدات السكنية وحتى في معدل تكوين العائلات الجديدة في الأمد الطويل، ولهذا أعتقد أن هناك مبالغةً كبيرةً في تحديد مستويات الطلب الكلي على الوحدات السكنية الحالي والمستقبلي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية