الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في لقاء تلفزيوني مع المفكر الكويتي الدكتور صلاح الراشد قال ما معناه ''إنه لا مكان للدول المنغلقة والمنظمات السرية في عالمنا المنفتح اليوم وإن تمترست وراء التخويف الأيديولوجي أو التخويف من عدو قادم أو خطر محتمل'' وهي مقولة تأملت في أبعادها كثيرا وأسقطتها على واقعنا وواقع كثير من الدول والمنظمات وربطتها بقول- الله عز وجل- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، حيث الأصل في علاقات الأفراد والشعوب والقبائل التعارف بكل أبعاده وما يترتب عليه من علاقات سياسية واقتصادية وتأثر اجتماعي وثقافي متبادل.

كلنا يعلم أننا أمام تزايد كمي كبير للمعلومات وتعدد الوسائل الإعلامية جعل الفرد أينما كان لا يكتفي بما يتلقاه من أخبار ومعلومات من وسائل إعلامه المحلية، حيث يبحث عما يريده في أي وقت يشاء ومن أي مصدر يريد بل إنه لم يعد يكتفي بدور المتلقي للمعلومات، إذ أصبح قادرا على صناعة المحتوى (خبر، تعليق، مقالة، نقل معلومات، ..إلخ) عبر الشبكة العنكبوتية بما يتوافر لديه من معلومات وما يكتنزه من معارف وقناعات وما تلتقطه عدسة كاميرة هاتفه الجوال.

وكلنا يعلم أن الثورة المعلوماتية الراهنة التي عددت مصادر التلقي وجعلت الشعوب منفتحة على بعضها بعضا، حيث حولت الإعلام إلى ساحة مفتوحة للمشاركة، لا تجدي معها محاولات السيطرة والتحكم التقليدي في حركة التبادل المعلوماتي والتقييد على الحريات الإعلامية فأصبح التثقف سمة العصر وأصبحت المؤشرات العالمية هي المرجعية الدولية المعتبرة فلم تعد تجدي أدوات الانغلاق في تجميل الواقع ببيانات ومعلومات مزيفة، ولم تعد تجدي حيل وألاعيب المنظمات السرية مهما كان نوعها في توجيه الرأي العام لمصلحتها.

نعم، فلقد أصبح زعماء الانغلاق الذين يرون فيه الأداة المثلى لتحقيق غاياتهم في مواجهة مكشوفة مع أفراد المجتمعات لا يجدي معها شعارات براقة أو معلومات غير مفندة فلقد ولى زمان التلقي دون نقاش وولى زمان مصدر التلقي المنفرد وولى زمن الهيمنة على العقول فالثورة المعلوماتية وبسرعتها الهائلة في نقل المعلومات قلصت المسافات وحدت من فاعلية وسائل تشكيل الوعي السابقة، التي تجاوزها التطور التقني بسرعة كبيرة. هذا الوضع جعل دعاة ورموز الانغلاق الراغبين في الهيمنة على عقول أفراد مجتمعاتهم وتشكيلها وتوجيهها لتحقيق مصالحهم تحت أي دعوى كانت يشهدون هزائم متتالية في الساحات كافة وبشكل دراماتيكي نتيجة التغير المتسارع في منظومات المعارف والقيم والمبادئ والمفاهيم المجتمعية وكشف مكامن الضعف المحلية بسبب تنوع وتعدد مصادر التلقي وتبادل المعلومات وتزايد الحوارات والتقارب بين الثقافات العالمية، التي أعادت أفراد المجتمع إلى ساحة الفعل والمشاركة في أبعادها كافة بعد تغييب طويل.

المنهزمون حسب اعتقادي انقسموا إلى قسمين، الأول: ما زال مصرا على إمكانية الهيمنة على عقول الناس وتحريكهم، كما يريد وإمكانية غلق المجتمع والأخذ بعناصر القوة والتقدم بمجتمع منغلق وذلك عبر تخويف الناس من مصادر التلقي الأخرى ومخاطرها وضرورة مواجهتها ورفض كل ما ترسله وتصنعه من مواد ومحتوى إعلامي، إضافة لتكثيف الجهود الرقابية وجهود المنع وبكل أمانة هؤلاء يسبحون عكس التيار وسرعان ما تنهار قواهم ليغرقوا ويغرقوا الناس معهم والدلائل كثيرة وليس المجال لذكرها.

القسم الثاني أدرك أن الهزيمة واقعة لا محالة وأن السباحة عكس التيار ليست الخيار الأمثل وأن التعامل مع الواقع هو الحل وأن أدوات جديدة حان استخدامها للنهوض بالبلاد لتكون في مصاف الدول المتقدمة وأن الواقع الجديد يساعد على ذلك وأن التفريق بين الثابت والمتغير والأصول والفروع والقطعي والظني أصبح ضرورة وقضية لا بد من حسمها وأن تحقيق الأهداف الخاصة على حساب الأهداف العامة ماض يجب نسيانه لأنه سيلحق ضررا بالغا بكل الأطراف كافة وأن العمل على تحقيق مصلحة وأهداف الأطراف كافة بات خيارا لا بد منه، وأعتقد أن هؤلاء هم من سينهضون ببلادهم ومنظماتهم.

وأود أن أذكركم بقصة إنفلونزا الخنازير التي سعت بها منظمات تجارية دولية تمتلك منشآت خاصة عملاقة تسعى لتحقيق أهداف اقتصادية على حساب ملايين البشر والتي نجحت في تمرير مبالغاتها حينا من الوقت بفضل ما تمتلكه من أجهزة إعلامية ولو بيات ضغط في منظمات عالمية لكنها وبفضل من الله وبسبب العولمة الاتصالية التي مكنت أفراد مختلف المجتمعات من ضخ معلومات حقيقية معاكسة كشفت خيوط مبالغاتها بالأدلة ففشلت في تحقيق غاياتها بالكامل وواجهت رفضا جماهيريا كبيرا لقبول التطعيم أو استخدام الأدوية المطروحة حتى اضطرت لإعلان انتهاء خطورة هذا الفيروس وهي منكسة الرأس وعليها أن تراجع أية فكرة قادمة من هذا النوع، خصوصا أنها قد تكون أوقعت العالم فيما أوقع به راعي الأغنام نفسه عندما ادعى أكثر من مرة قدوم الذئب مازحا حتى قتل أغنامه عندما جاء حقيقة ولم يسعفه أحد ظنا بأنه ما زال يمزح.

أخيرا آمل أن نعي جميعا أن المتغيرات التقنية الهائلة لا تعتبر تغيرا تقليديا في أدوات تحقيق الأهداف بل هي تغير عميق يستدعي التفكير في نوعية وكم الأهداف والغايات ابتداء، وكلي رجاء أن يتخذ كل صناع الخطط والقرار ومتخذوه ومنفذو الخطط والقرارات هذا التغير العميق بعين الاعتبار وأن يتناسوا الماضي القريب ويدركوا أنهم أمام أجيال تصنع في بيئة يزداد فيها تأثير الأدوات الاتصالية الحديثة على حساب الأدوات التقليدية الأسرة والمدرسة والأصدقاء، وأن يدركوا أنه لا تقدم في السباق الحضاري دون الانفتاح المضبوط بمعدلات قياسية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية