الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

سيكون لزاماً على الصين أن تعدل سعر صرف عملتها سواء شاءت ذلك أم أبت. وفي حين يستمر المسؤولون الصينيون في التفكير ملياً في الوقت المناسب للسماح لقيمة الرنمينبي بالارتفاع، فإن عمال التصنيع يصوتون بضرب الأرض بأقدامهم ـ وتنظيم الإضرابات.

كانت شركة هوندا قد عرضت على عمال مصنع أجهزة نقل الحركة في الصين زيادة في الأجور مقدارها 24 في المائة في محاولة لتجنب الإضراب الذي قد يصيب المصنع بالشلل. كما أعلنت شركة فوكسكون، وكيلة التصنيع المتعاقدة مع شركتي أبل ودِل، زيادة في الأجور تصل إلى 70 في المائة. وأعلنت شركة شينتشين في محاولة لتفادي المتاعب زيادة قدرها 16 في المائة للحد الأدنى للأجور. واتخذت السلطات البلدية في بكين خطوة وقائية رفعت بموجبها الحد الأدنى للأجور بنسبة 20 في المائة. وسيسفر كل هذا عن رفع أسعار صادرات الصين وتغذية الطلب على الواردات. والتأثير الناجم عن هذا يعادل في واقع الأمر رفع قيمة العملة.

ويتعين على الصين أن تعد هذه الزيادات في الأجور مقياساً لنجاحها, ذلك أن الدخول الأعلى تشكل نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي.

والفارق الوحيد في الصين هو أن التعديل كان مكبوتاً، لذا فهو يأتي الآن بشكل مفاجئ. وكان من الأفضل لو بادر المسؤولون الصينيون إلى تشجيع التعديل في وقت مبكر وبشكل أكثر تدريجاً، ولو كان التعديل قد تأتى من خلال رفع قيمة العملة، وهو الأمر الذي كان ليعزز من طلب العمال على الواردات، بدلاً من التضخم الذي يشكل نبأ سيئاً للجميع. لكن كل هذا أصبح من الماضي الآن.

فمع زيادة تكاليف تصدير المصنوعات ستضطر الصين إلى السعي إلى تحقيق النمو من خلال إنتاج سلع أخرى. وسيكون لزاماً عليها أن تتحرك بعيداً عن الاستراتيجية الحالية, حيث تشكل الصناعة المحرك الرئيس للنمو، نحو نموذج اقتصادي أكثر نضجاً, حيث يتركز تشغيل العمالة في قطاع الخدمات على نحو متزايد.

لن تتمكن الصين أبداً من منافسة الهند كدولة مصدرة للتكنولوجيا الفائقة والخدمات التجارية، وذلك لأن أغلبية سكانها، على النقيض من الهند، لا يجيدون اللغة الإنجليزية. لكنها تتمتع بمجال كبير لتوسعة المعروض من الخدمات الشخصية والتجارية في السوق المحلية التي تفتقر بشدة إلى الخدمات رغم ما تتمتع به من ازدهار متزايد. وهذه النقطة التي أكد عليها ستيفن روتش كبير خبراء الاقتصاد لدى ''مروجان ستانلي'' في كتابه الذي نشر أخيرا تحت عنوان ''آسيا القادمة''.

والنبأ الطيب هنا كما لاحظ روتش هو أن قطاع الخدمات يفرض عبئاً أقل على الموارد الطبيعية، وهذا في حد ذاته يُعَد من الأنباء الطيبة فيما يتصل بالحد من الانبعاثات الكربونية التي تنتجها الصين، كما يعمل على خلق مزيد من فرص العمل مقارنة بقطاع التصنيع، وهذا من شأنه أن يساعد على تعزيز الاستقرار الاجتماعي.

لكن النبأ السيئ هو أن الانتقال المطلوب من الصين الآن ـ التحول نحو الخدمات من دون التعرض لانخفاض كبير في نمو الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بالكامل ـ أمر لم يسبق له مثيل في آسيا. ومن المعروف أن أي اقتصاد آسيوي يعتمد على التصنيع في تحقيق مستويات نمو مرتفعة عانى تباطؤا شديدا عندما حاول تجربة مثل هذا الانتقال.

المشكلة أكبر من مجرد ميل الإنتاجية في قطاع الخدمات إلى النمو على نحو أبطأ مقارنة بقطاع التصنيع, فقد كان نمو الإنتاجية في قطاع الخدمات في البلدان الآسيوية ذات التصنيع المكثف سابقاً هزيلاً للغاية قياساً إلى المعايير الدولية.

ففي كوريا واليابان، على سبيل المثال، لا تقتصر المشكلة ببساطة على نمو الإنتاجية في قطاع الخدمات بما لا يتجاوز في سرعته ربع سرعة النمو المسجل سابقاً في قطاع التصنيع طوال عقد من الزمان. بل إن المشكلة الأكبر أن نمو الإنتاجية في قطاع الخدمات في البلدين لا يتجاوز نصف نظيره في الولايات المتحدة.

لكن ما السبب وراء هذا القصور في البلدان التي كانت تركز تقليدياً على التصنيع؟ كان قطاع الخدمات المتأخر خاضعاً لهيمنة مؤسسات صغيرة ـ شركات أسرية. وهذه المؤسسات الصغير تفتقر إلى الحجم الذي يكفل لها الكفاءة، والقدرة على استغلال تكنولوجيا المعلومات الحديثة، والقدرة على تمويل مشاريع البحث والتطوير. ففي كوريا كان أقل من 10 في المائة من مشاريع البحث والتطوير على مستوى الاقتصاد بالكامل موجهاً إلى قطاع الخدمات في العقد الماضي. وهذا يشكل تبايناً حاداً مع الولايات المتحدة، حيث يرتبط نصف إجمالي مشاريع البحث والتطوير بقطاع الخدمات.

وفي كل من كوريا واليابان، تواجه الشركات الضخمة الراغبة في الدخول إلى قطاع الخدمات عراقيل شديدة تفرضها القيود التنظيمية، التي تمنع تجار الجملة من التشعب إلى التجزئة، والعكس. فضلاً عن ذلك فإن الشركات الأجنبية التي تحمل معها المعرفة التنظيمية الإبداعية والتكنولوجيا ممنوعة من الدخول في هذا القطاع. ويسارع المحاسبون والمهندسون والمحامون إلى ركوب الموجة واستخدام شروط الترخيص التعجيزية للحد من المعروض والمنافسة ودخول الأجانب. والواقع أنني لأتخيل أصحاب المتاجر والجزارين وعمال الرعاية الصحية في الصين وهم يقتدون بهذا المثال, لا شك أن النتائج ستكون مدمرة, ففي حين سجلت القيمة المضافة في قطاع التصنيع الصيني نمواً بلغ 8 في المائة سنوياً، فمن المرجح ألا يتجاوز نمو الإنتاجية في قطاع الخدمات 1 في المائة, إن لم تكن الصين حكيمة بالدرجة الكافية أو إذا حذت حذو كوريا واليابان.

إن توظيف العمالة في القطاعات حيث الإنتاجية راكدة لا يشكل وصفة ناجعة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي. ويتعين على الصين أن تتجنب النمط الذي ساعد إلى جانب إهمال قطاع الخدمات في الماضي على تكوين طبقة من المنتفعين الذين يستغلون نفوذهم السياسي للحفاظ على مراكزهم, وربما تتمكن الصين من تجنب هذا المصير. ولعل عدم كون الصين نظاماً ديمقراطياً يشكل ميزة في هذا السياق على الأقل.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية