الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عندما تقع الحوادث فإن الأمر يشتمل دوماً على قدر يكفي الجميع من الاتهامات المتبادلة ومحاولات إلقاء اللوم على الآخرين. وفي حالة تسرب النفط من منصة ديب واتر هورايزن البحرية في خليج المكسيك، فإن أحداً لم يسلم من اللوم ـ باستثناء أحد الجناة الرئيسين، الرأي العام الأمريكي.

ففي غضون ساعات قليلة من وقوع الحادث سارع النقاد إلى تدريب أنفسهم على توجيه اللوم إلى المشتبه فيهم المعتادين: هيئة إدارة المعادن، لأنها أعلنت في وقت سابق اجتياز شركة بريتش بتروليم عمليات التفتيش الدورية وانزلقت إلى علاقة مع صناعة النفط في الولايات المتحدة وصفها الرئيس باراك أوباما بالعلاقة «الدافئة», وأوباما ذاته لأنه تقاعس عن فرض الإصلاحات على مستوى الإدارة الداخلية, التي وعد بها أثناء حملته الانتخابية؛ وشركة الخدمات النفطية ترانس أوشن بسبب استخدامها مانع الانفجار الخطأ؛ وبالطبع شركة بريتش بتروليم بسبب ثقافتها الأمنية «المتراخية», بل حتى «الطائشة».

وبعد أسابيع من الغضب العاصف استقرت المسؤولية الرئيسة في النهاية على عاتق شركة بريتش بتروليم. وفي جلسات الاستماع أمام اللجنة الفرعية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي كانت مراوغات ومناورات توني هيوارد الرئيس التنفيذي لشركة بريتش بتروليم وفشله في الإجابة عن أسئلة مباشرة سبباً في إثارة غضب أعضاء الكونجرس والرأي العام الأمريكي على السواء. ولعل تعبير «الأسف العميق» الذي استخدمه وفر بعض الارتياح إلا أن الجاني الرئيس تم تحديده، لكن ذلك لم يكن كافياً لسد مصدر التسرب.

فضلاً عن ذلك فإن الموقف في خليج المكسيك يزداد سوءا, فالنفط لا يتسرب بمعدل ألف برميل يومياً، طبقاً لتقديرات «بريتش بتروليم» الأصلية، ولا بمعدل 19 ألف برميل يومياً طبقاً لحسابات المجموعة الفنية لمعدل التدفق. فكما كشفت وثيقة داخلية صدرت حديثاً في «بريتش بتروليم» فإن التدفق الفعلي ربما يصل إلى 100 ألف برميل يومياً.

وفي حين أن لا أحد ينكر أن الحادث سيسفر عن قائمة طويلة من الضحايا ـ سكان الولايات الواقعة على الخليج هم الأكثر تضررا ـ فإن الرأي العام الأمريكي أيضاً يستحق اللوم. ذلك أن الإدمان التاريخي على البنزين الرخيص، ومعارضة أي إصلاح لقطاع الطاقة باعتباره «مناهضاً لأمريكا»، من الأسباب التي أدت إلى خلق حالة من الهوس بالحفر، وبناء السدود، على أمل الخروج من المشكلات التي تعانيها البلاد. وهذا التأكيد على جانب العرض (زيادة فرص الحصول على وقود الطاقة) كان سبباً في طمس تحركات أرخص وربما كانت أكثر نفعاً على جانب الطلب (الحد من استهلاك الطاقة من خلال تغيير سلوك الناس).

على سبيل المثال، في حين كان بوسع الأمريكيين أن يساندوا معايير أكثر صرامة في التعامل مع مسألة الاقتصاد في استهلاك الوقود أو أن يزيدوا من الضرائب الفيدرالية المفروضة على استهلاك الطاقة، فإنهم لم يفعلوا ذلك. وفي ظل وهم مفاده أن أساليب الحياة التي تدور حول النفط الرخيص والسيارات الضخمة حق أبدي لأمريكا، أصبحت معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود ضعيفة طوال عقود من الزمان، وبات الساسة يتجنبون مناقشة هذا الموضوع وكأنه الطاعون.

وفي الوقت نفسه, كان الأمريكيون يتمتعون بأرخص سعر للبنزين في العالم المتقدم. وفشلت أمريكا في توقع نهوض الصين والهند، الدولتين اللتين كان من المؤكد أن يؤدي طلبهما المتنامي على الطاقة إلى تأثيرات واضحة في أسعار الطاقة العالمية.

لكن بدلاً من ذلك بُذِلَت المحاولات لسد الفجوة جزئياً بين العرض والطلب من خلال الاستعانة بتقنيات هندسية متطورة، مثل التصوير الثلاثي الأبعاد لباطن الأرض والحفر بالأنابيب الدوارة، لكن هذه التقنيات تتحول إلى سبب للمشكلات إن لم تكن مصحوبة بالخطط اللائقة للاستجابة السريعة في حالات الطوارئ أو الإشراف التنظيمي المطلوب لضمان منع وقوع الحوادث وتخفيف آثارها في حالة وقوعها. ولقد أسفر ذلك عن الخطوة التلقائية التي اتخذها أوباما بفرض حظر على منح التصاريح للحفر في المياه العميقة ووقف المشاريع القائمة في خليج المكسيك.

ورغم الأهمية الواضحة للإصلاح التنظيمي لإجراءات الحفر وسياساته في قاع البحر، فلن يكون كافياً أن نعمل على الحد من مخاطر تسرب النفط والحوادث إن لم يكن ذلك مصحوباً بإجراءات أخرى على جانب الطلب. على سبيل المثال، الآن حان الوقت للبدء في الحد من طلب الولايات المتحدة على النفط من خلال تحسين معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود و/أو الزيادة التدريجية في الضرائب المفروضة على استهلاك الوقود. وقد يكون كلا الأمرين ضروريين، وذلك لأنه على الرغم مما سجله الاقتصاد في استهلاك الوقود من مكاسب طفيفة في الأعوام الأخيرة، فإن المسافات الأطول التي بات الناس يقطعونها تعمل على إهدار أي تحسن.

ومن الممكن أن تبدأ الحكومة أيضاً بالدفع بقوة نحو التحول إلى السيارات الكهربائية. فمن حيث تكاليف دورة الحياة الإجمالية فإن كفاءة هذه المركبات في استهلاك الطاقة تصل من ثلاثة إلى ستة أضعاف كفاءة المركبات التي تعمل بأنواع الوقود البترولي. ويستطيع الناس أن يدخلوا تعديلات أبسط على أساليب حياتهم، مثل ضبط الهواء في الإطارات على النحو الصحيح، والقيادة بسرعات أبطأ على الطرق السريعة ـ تبلغ أي سيارة أقصى كفاءة لها في استخدام الوقود عند سرعة 90 كيلو متراً في الساعة ـ والتخلي عن السيارات الضخمة رباعية الدفع.

لقد استمعنا إلى شعار «الفرصة تولد في الأزمة» مراراً وتكراراً طوال أزمة «ديب واتر هورايزن». لكن استغلال هذه الفرصة يتطلب تجاوز مرحلة توزيع اللوم، والتعلم من الأخطاء، وتحديد أفضل السبل لوضع سياسة طاقة وطنية معقولة وطويلة الأمد.

إذا كان الأمريكيون راغبين في مستقبل من دون حوادث أخرى على غرار حادث ديب واتر هورايزن, ومن دون حياة برية ملوثة بالقطران فلا بد أن يعملوا على الحد من الطلب على النفط، فضلاً عن ضمان تنفيذ عمليات إنتاج النفط بأكبر قدر ممكن من السلامة والإحساس بالمسؤولية.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية