أود أن أجيب أولاً ثم أدخل في التفاصيل، الجواب: كلاهما مهمان. بقدر ما الأمن المائي مهم، كذلك الأمن الغذائي أهم.
طالعتنا الصحف المحلية بأن مجلس إدارة الصوامع خلال اجتماعه في الرياض يوم 3 رجب 1431هـ، برئاسة وزير الزراعة، استعرض كميات القمح المتعاقد عليها، حيث بلغ متوسط سعر الطن واصلاً موانئ المملكة 247.50 دولار ويعادل 928 ريالا للطن الواحد.
وأكد معاليه أن السعودية تحتاج من القمح إلى ثلاثة ملايين طن سنوياً، نافياً وجود نية للعدول عن قرار إيقاف دعم القمح مستقبلاً، مبيناً توجه الدولة لدعم الحفاظ على الأمن المائي أكثر من الأمن الغذائي، وهذا الأمر هو السبب في تقليل دعم القمح وشرائه من المزارعين والتوجه إلى الاستيراد. الله سبحانه وتعالى يقول ''والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) '' وقال سبحانه ''وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16)''
الكرة الأرضية تتشكل من 71.73 في المائة مياه بحار ومحيطات ونسبة اليابسة 28.26 في المائة. الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنشأ فوق هذه المحيطات نظاما ربانيا لتحلية المياه المالحة، حيث ترتفع درجات الحرارة بفعل الشمس، كما هو حاصل الآن في نصف الكرة الشمالي، وتسخن مياه هذه البحار والمحيطات المالحة، فيرتفع بخار الماء عالياً، ويتكثف في طبقات الجو العليا، ويتشكل السحاب ـ بإذن الله، ويسوقه رب العزة والجلال إلى بلد ميت في نصف الكرة الجنوبي ذات الفصل الشتوي الآن. ليغيث به من يشاء، ويمنعه عمن يشاء، أو يدمر به من يشاء، وهكذا دورة المواسم.
تنزل هذه الأمطار - بإذن الله- إما على هيئة ثلوج تكسو القطبين أو تكسو الجبال الشاهقة، وهي بذلك أشبه ما تكون بخزانات مائية معلقة، تغذي الأنهار والأراضين تحتها بمقدار. أو تنزل على شكل أمطار تغذي السهول، وترفع من مستوى الرطوبة بها لتغذية الأعشاب والأشجار، التي تنمو عليها. والذي يزيد على السعة الحقلية يتسرب إلى باطن الأرض ويجري في مسالكها ويتجمع ويجري في تكويناتها وأحواضها الجوفية. وهذا ما يسمى دورة المياه Water Cycle وصدق الحق تعالى عندما قال ''وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض'', وقوله تعالى ''وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين''.
إذاً موضوع الأمن المائي محسوم إجمالاً، ليس بيدنا نحن البشر، وعدم الإسراف فيه واجب، والانتفاع منه ليس محرما، حيث أمرنا أن نسعى في مناكبها.
الأمن الغذائي مهم جداً، وهو خيار استراتيجي لا بد منه إذا توافرت العوامل الرئيسة له، مثل المياه، الأرض الصالحة للزراعة، الظروف الجوية الملائمة.
الدول الأخرى قبلنا درست الميز النسبية لأراضيها ومناخاتها، نجد في أمريكا مثلا ما يسمى حزام القمح Wheat Belt حزام الذرة Corn Belt, في آسيا، خاصة شبه القارة الهندية نجد حزام الأرز Rice Belt وهكذا. وحرصت كل الحرص أن تستغل كل شبر من أراضيها الاستغلال الاقتصادي الأمثل، لتأمين احتياجاتها الغذائية، وتصدير الفائض منه إلى الأسواق العالمية، لأنه حسب المقولة لديهم: Hunger is precursor of Anger ويرادفها مجازاً في لغتنا العربية، (إذا جاعت الشعوب قامت الحروب). أهم المحاصيل في مملكتنا الحبيبة، والتي تمثل قاعدة الهرم الغذائي من المحاصيل الشتوية، القمح والشعير, اللذان في نظري، ومن خلال تجارب العقود الثلاثة الماضية، من أسهل المحاصيل زراعة، وحصاداً وتخزينا.
كذلك أتبانها إما تستخدم كأعلاف مباشرة، وإما تدخل في كثير من صناعات الأعلاف غير التقليدية، وأخيراً وبعد تلبين هذه الأتبان ونقلها من الحقل، يمكن الاستفادة من بقايا الحصاد في الرعي المفتوح للماشية. والميزة الأهم أن هذين المحصولين من أقل المحاصيل الزراعية استهلاكا للمياه. ولدى مقام وزارة الزراعة من المعلومات الفنية والأبحاث، ما يغني لتحديد أنسب المواقع لزراعتهما.
بقية المحاصيل الأخرى، والخضار الاقتصادية مثل البطاطس، والبصل، والطماطم، وغيرها قد تدخل في دورة رباعية مع القمح والشعير بغية القضاء على الحشائش التي تكون قد تكاثرت مع القمح وتؤثر في إنتاجيته. إن الاستثمار الزراعي المروج له في الخارج هو عبارة عن استثمارات من الوطن لخارج الوطن. لقد طالعتنا الصحف قبل فترة أن الشيخ سليمان الراجحي - أطال الله في عمره - بدأ في حصاد القمح من مشاريعه في مصر. أتمنى أن تطالعنا الصحف مرة ثانية، بصور البواخر وهي تفرغ حمولتها في ميناء جدة. أحبائي دعونا نراجع أنفسنا للترشيد ونستغل ميزنا النسبية الزراعية على الوجه الأمثل. ونعمل جاهدين لتوطين زراعة القمح والشعير، ونعتبرها خيارنا الاستراتيجي الأول (وآخر ما نفكر في إلغائه). وبأسعار تشجيعية، أفضل من الأسعار الحالية ونؤمن رغيف الخبز لشعبنا من أرضنا الطيبة، ونحن مطمئنون.
بئس لأمة تعتمد في غذائها على غيرها.
والله من وراء القصد.
