مخطط بونزي

|
يتفق أغلب المحللين على أن بونزي هو أكبر المحتالين الماليين في التاريخ الأمريكي، وبونزي هو مهاجر إيطالي ولد في 1882، ويعرف بأسماء كثيرة، منها: تشارلز، وكارلو، وكارل، ولذلك لن نستخدم اسمه الأول. ارتبط لقب بونزي بمخططات الاحتيال في العالم كافة، على الرغم من أنه لم يكن أول من ابتكر المخطط، وتحول لقب بونزي إلى تسمية حملها عدد كبير جدا من الأشخاص في العالم، قبل أن يولد بونزي وبعد وفاته بكثير وحتى يومنا هذا، حيث تطلق عبارة: "مخطط بونزي Ponzi scheme" على كل عملية نصب أو احتيال، وبصفة خاصة عمليات الاستثمار التي يتم دفع عوائد للمستثمرين القدامى من خلال استثمارات المستثمرين الجدد، وهو ما يطلق عليه المخطط الهرمي. تتمثل قمة هذا الهرم في المستثمرين الأوائل الذين لا بد أن يحققوا معدل العائد الذي وعدوا به، والهدف هو بالطبع دفع قمة الهرم إلى بدء إخبار أصدقائهم وجيرانهم وكل من يلتقون بهم عن الربح السريع الذي قاموا بتحقيقه، بما يضمن دخول مستثمرين جدد يشكلون الطبقات الأسفل من الهرم، وعند استحقاق الاستثمار في الموعد المحدد، ومع توافر السيولة اللازمة لدفع رأس المال والأرباح عليه، يتم تخيير المستثمرين بين سحب أموالهم أو تركها تعمل في المخطط لتحقيق أرباح أكبر، وغالبا ما يفضل المستثمرون هذا الخيار الأخير. وعندما يتولى المستثمرون في قمة الهرم والطبقات التي تليه إخبار أصدقائهم ومعارفهم بأرباحهم، تزداد أعداد المستثمرين، وهكذا يتشكل الهرم.. وعادة ما يقوم صاحب المخطط بدفع نسبة أو مبلغ محدد في مقابل كل دولار جديد يتم جلبه إلى المخطط، وللأسف يترتب على هذه العملية أن يكون عدد كبير من المستثمرين من أفراد الأسرة أو القبيلة أو المجموعة العرقية أو الديانة هم ضحايا المخطط. وبعد فترة قصيرة تتباطأ عمليات الدخول إلى الهرم لنقص أعداد الضحايا الذين سيتم القضاء على مدخراتهم بسبب دخولهم جميعا في المخطط. وفي النهاية، لا بد أن ينهار المخطط، إما لأن قاعدة الهرم أصبحت ضخمة جدا، وأعداد المستثمرين أصبحت ضخمة، لدرجة أن بونزي لا يجد سبيلاً سوى استخدام الاستثمارات الجديدة من القاعدة لدفع الأرباح للطبقات في الأعلى، وبعد فترة قصيرة يفشل بونزي في تجميع الأموال اللازمة للدفع لكافة الطبقات في الهرم، خصوصا الطبقات القاعدية العريضة الاتساع، وهنا تبدأ مأساة الجميع في السطح أو في القاع. بونزي الشخص عمل في أوائل حياته كعامل في البريد، وفي عام 1903 قدم مهاجرا إلى بوسطن، ووفقا لبونزي لم يكن في جيبه في هذا الوقت سوى دولارين ونصف، فقد خسر كل مدخراته في القمار على ظهر السفينة التي نقلته، وقضى بونزي سنواته الأولى في الولايات المتحدة على الشاطئ الشرقي، وبدأ العمل في غسل الأطباق في أحد المطاعم، حيث كان ينام على البلاط، ثم تحول إلى نادل في المطعم، ولكنه فصل بعد ذلك بسبب سرقته للزبائن. في عام 1907 انتقل بونزي إلى مونتريال في كندا، وأصبح مساعد صراف في بنك Banco Zarossi وهو بنك إيطالي، وبسرعة كبيرة تحول بونزي إلى مدير للبنك، وهناك تلقى بونزي أول دروسه. كان البنك يدفع فائدة على المودعات بمعدل 6 في المائة، وهو ما يمثل ضعف معدلات الفائدة السائدة في هذا الوقت، واكتشف بونزي أن صاحب البنك لا يدفع الفوائد على المودعات من عوائد استثمارها، وإنما باستخدام الأموال التي يتم إيداعها بواسطة المودعين الجدد. سرعان ما أفلس البنك وهرب صاحبه إلى المكسيك، واستطاع بونزي أن يصرف لنفسه شيكا من خلال تزوير توقيع أحد المديرين، وانتهى الأمر بالقبض عليه وأدين بتهمة التزوير وحكم عليه بالحبس لمدة 3 سنوات. بعد الإفراج عنه في 1911 عاد بونزي إلى الولايات المتحدة، وأخذ في تهريب المهاجرين الإيطاليين عبر الحدود، فألقي القبض عليه مرة أخرى وحكم عليه بسنتين في السجن في أتلانتا. وفي الحبس عمل مترجما لمأمور السجن الذي كان يعترض الرسائل التي ترد من Ignazio Saietta، أو ما كان يعرف باسم "لابو الذئب Lupo The Wolf"، وهو أحد زعماء المافيا التي تنحدر من سيسيلي الإيطالية في نيويورك في أوائل القرن العشرين، والذي أصبح صديقا له بعد ذلك. في السجن تعرف بونزي أيضا على تشارلز مورس والذي كان أحد رجال الأعمال الأغنياء، وكان يلقب بملك الثلج في نيويورك، حيث كان يحتكر صناعته، فضلا عن أنشطته المالية المكثفة سواء في البنوك والتي كان يسيطر على 10 منها على الأقل، أو في سوق المال، حيث كان مضاربا كبيرا في وول ستريت. تمكن مورس من خداع أطباء السجن بتناول مزيج من الصابون وبعض السموم والتي أدت به إلى التحول إلى شبه جثة هامدة، وأوصى الأطباء بالإفراج عنه، غير أن الرجل عاش بعد ذلك كرجل أعمال من الدرجة الأولى حتى مات في عام 1933. بهذه الخلفية الإجرامية وشبكة الأصدقاء "النموذج" تجمعت المكونات الضرورية للخلطة اللازمة لتحويل بونزي إلى محتال من الدرجة الأولى. بعد الإفراج عن بونزي عاد إلى بوسطن وتزوج وعمل في نشاط البقالة، حيث يعمل والد زوجته. ثم أتته فكرة إنشاء شركة تقوم بالإعلان على نطاق واسع من خلال نظام الكتالوج، وهي فكرة شبيهة بفكرة الصفحات الصفراء Yellow pages، غير أنه لم يستطع أن يسوق الفكرة وفشلت شركته بعد ذلك. بعد عدة أسابيع وصل إلى بونزي خطاب من شركة إسبانية تطلب فيه الكتالوج الخاص به، وفي الرسالة وجد كوبونا بريديا، الهدف الأساسي من الكوبون البريدي في ذلك الوقت هو تمكين شخص ما في بلد ما من أن يرسل الكوبون إلى مراسل له في بلد آخر، والذي يمكنه استخدامه لدفع قيمة الرد البريدي، كما أنه يمكنه استبداله بطوابع لتغطية تكلفة البريد في البلد المرسل إليه، إذا ما كانت هذه القيم مختلفة في البلدين فإن الشخص يمكنه أن يحقق ربحا من وراء هذه العملية. بعد الحرب العالمية الأولى تم تخفيض تكلفة البريد الدولي بشكل كبير في إيطاليا، وبالتالي فكر بونزي في شراء هذه الكوبونات من إيطاليا (بسعر منخفض)، ثم استبدالها بطوابع بريدية في الولايات المتحدة وإعادة بيعها بسعر أعلى ليحقق أرباحا بعد ذلك. قام بونزي بعمل حسبة بسيطة فتوصل إلى أن أرباحه من هذه العملية، آخذا في الاعتبار تكلفته وفروق معدلات الصرف - تتجاوز نسبة الـ 400 في المائة.. إنها عملية شبيهة بعملية التحكيم في الأصول، حيث يقوم المحكم بشراء الأصل في بلد ما حيث ينخفض سعره، ليقوم بإعادة بيعه في بلد آخر حيث السعر المرتفع، وهي على ما يبدو عملية قانونية تماما. يقول بونزي إنه أرسل 3 خطابات في كل خطاب ورقة بدولار، واحد لإيطاليا وواحد لإسبانيا وواحد لفرنسا وطلب من المرسل إليهم شراء أكبر قدر ممكن من الكوبونات بهذا الدولار، وبعد عدة أسابيع جاءته الردود، وعندما قام باستبدال هذه الكوبونات وقع على هذه الثغرة الكبيرة في النظام البريدي الأمريكي. يقول بونزي: "لقد كلفتني هذه العملية 4 دولارات، ولكنها ألقت بين يدي 15 مليون دولار بعد ذلك"، وهو مبلغ ضخم جدا بمقاييس ذلك الوقت. اتصل بونزي بأصدقائه في بوسطن ووعدهم بأنه سيضاعف استثماراتهم في غضون 90 يوما من خلال التحكيم في الكوبونات البريدية، وبدأ بعضهم في الاستثمار معه، وهنا تكون الطابق الأعلى في هرم مخطط بونزي، وبالفعل قام بدفع أرباح لهم كما وعد، حيث قام بتوزيع 750 دولارا لكل 1250 دولارا تم استثمارها معه. ثم أنشأ بونزي شركته الخاصة Old Colony Foreign Exchange Company بهدف الترويج لمخططه، وانتشر خبر المخطط بين الناس وبدأت الأموال تتدفق على بونزي، وقام بونزي بتأجير موظفين بعمولة في مقابل كل دولار يتم جلبه للمخطط، ولتعظم استفادته من هذه الأموال فكر بونزي في السيطرة على بنك صغير هو Hanover Trust Bank of Boston، وقام بالفعل بشراء حصة مؤثرة فيه بعد أن قام بإيداع 3 مليون دولار في البنك. وبحلول يوليو 1920 كان مخطط بونزي يسير على ما يرام وذاع صيته لدرجة دعت الناس إلى بيع منازلهم واستثمار مدخراتهم لدى بونزي، بل إن الكثيرين لم يستردوا أرباحهم وإنما قاموا بإعادة استثمارها لديه. ولأن مخطط بونزي لا يرتكز على نموذج استثمار حقيقي، فقد بدأت أعمال تحقق خسائر، ورغبة منه في الحفاظ على استمرار تدفقات الأموال استخدم أسلوب أستاذه، حيث قام بدفع أرباح للمستثمرين القدامى من خلال استخدام استثمارات المستثمرين الجدد. كان من الطبيعي أن تلفت سمعة بونزي الأنظار إليه، وعندما كتب أحد الصحافيين مقالا عن بونزي شكك في أنه من غير المعقول أن يحقق هذه العوائد خلال هذه الفترة القصيرة بطريقة قانونية، أقام بونزي دعوى تشهير وحصل على نصف مليون دولار كتعويض، غير أن الجميع أخذ يتساءل عن كيفية تحول بونزي من شخص مفلس إلى مليونير في غضون هذه الفترة القصيرة من الزمن. هنا أدرك من وقعوا ضحية الوهم أن طمعهم في الثراء السريع أعماهم عن هذه الحقيقة، إذ لم يكلف أحد منهم أن يسأل نفسه عما إذا ما كانت أعمال بونزي قانونية أم لا، فكيف يعدهم بتحقيق معدل عائد 50 في المائة في 45 يوما، بينما كانت البنوك تمنح 5 في المائة فقط سنويا. بدأت صحيفة "بوسطن بوست" تتشكك حول مدى صحة أعمال بونزي، وكلفت بعض الصحافيين لمراقبة أعماله، وأخذت الصحيفة في نشر عدة مقالات توجه أسئلة صعبة الإجابة عن أعمال بونزي، وماكينة النقود التي يملكها، وقامت الصحيفة بالاتصال بـ "كلارنس بارون" المحلل المالي الذي قام بنشر تقرير أوضح فيه أنه على الرغم من أن بونزي يحقق عوائد مرتفعة على الاستثمارات التي تحت يده، إلا أنه لا يقوم بالفعل بالاستثمار من خلال شركته، كما لاحظ Barron أن بونزي لكي يحقق هذه العوائد التي يعلن عنها على الاستثمارات من خلال شركته، فلابد أن يقوم باستخدام 160 مليون كوبون بريدي. ولسوء حظ بونزي فإن بيانات مكتب بريد الولايات المتحدة كانت تشير إلى استخدام 27000 كوبون فقط. من ناحية أخرى أشار بارون إلى أن الشراء والتوزيع والمطالبة بقيمة هذا القدر الضخم جدا من الكوبونات لا شك أنه سيتكلف تكاليف مالية تفوق الأرباح التي يعلن بونزي أنه يحققها. وترتب على نشر التقرير انتشار حالة ذعر بين المستثمرين، ولإعادة الثقة في شركته قام بونزي بدفع 2 مليون دولار للأشخاص المتزاحمين أمام مكتبه، وبدأ في مناقشتهم وتوزيع القهوة والدونات عليهم، وأقنعهم بأنه ليس هناك أي داع لهذا القلق، وبالفعل اقتنع كثير من المغفلين وتركوا نقودهم وانصرفوا. غير أن الحادثة استدعت انتباه المدعي العام لمقاطعة ماساتشوستس والذي كلف أحد الأشخاص بمراجعة حسابات الشركة، وهي مهمة كانت صعبة جدا، حيث لم يكن بونزي يحتفظ بحسابات وإنما بكروت بأسماء المودعين. وبدأ بونزي في تأجير وكيل علاقات عامة هو "وليام ماكماسترز" للقيام بالأعمال الدعائية اللازمة لصالحة، غير أن ماكماسترز اكتشف لاحقا أن بونزي "يسرق بيتر ليدفع لبول"، فذهب بهذه الأنباء إلى بوسطن بوست التي منحته 5000 دولار في مقابل قصته. لكن مشكلات بونزي أتت على نحو غير متوقع، فقد قام مفتش بنك ماساتشوستس جوزيف آلن بالتفتيش على أعمال بونزي المصرفية، فوجد أن حسابات بونزي قد تلقت قروضا بأكثر من 250 ألف دولار، وأخبر اثنين من مفتشي البنك بمراقبة حسابات بونزي. في 9 أغسطس أخبروه بأن عددا كبيرا من حملة شيكات بونزي سحبوا الأموال الموجودة في حساباته، فأصدر أوامره بوقف عمليات سحب الشيكات من حسابه الرئيس في بنك هانوفر ترست، ثم قام بإقناع عدد من المستثمرين لدى بونزي بتعبئة استمارة إفلاس إجباري لبونزي، وهو ما كان ذلك كافيا لدفع المدعي العام بدعوة المستثمرين لدى بونزي للحضور لتسجيل أسمائهم وعناوينهم لأغراض التحقيق، في ذات اليوم تلقى بونزي تقرير مراجعة عن أعماله والذي يشير إلى أنه مدين بـ 7 مليون دولار على الأقل. شهد 11 أغسطس 1922 نهاية بونزي، حيث صدرت الصفحة الأولى لبوسطن بوست عن أنشطة بونزي في مونتريال منذ 13 عاما مضت، بما في ذلك إدانته بالتزوير ودوره في فضيحة بنك أستاذه Zarossi، وفي نهاية اليوم قام آلن بالحجز على بنك هانوفر ترست بعد أن وجد الكثير من الأعمال غير القانونية في حساباته، وفي 12 أغسطس سلم بونزي نفسه للسلطات، حيث أدين بجرائم الغش في البريد. وفي ظل الحقائق حول مخططه الإجرامي الذي غش فيه المستثمرين حكم على بونزي بالسجن في السجن الفدرالي في عدة قضايا، وتم الإفراج عنه عام 1934، ليتم ترحيله من الولايات المتحدة إلى إيطاليا لأنه لم يحصل على الجنسية على الرغم من أنه كان يعيش فيها منذ 1903. وتوفي في 18 يناير 1949 في مستشفى خيري في ريودي جانيرو في البرازيل، حيث عاش أيامه الأخيرة فقيرا. غير أن قصة مخطط بونزي تكررت بعد ذلك آلاف المرات في أنحاء العالم كافة. الغريب في الأمر أن كل بونزي كان يجد بسهولة كمية كافية من المغفلين الذين يستطيع أن يلعب بعقولهم بسهولة ويغريهم بالمكسب السريع فيسيل لعابهم وتتوقف عقولهم عن التفكير، وهي الثغرة التي يدخل منها بونزي ليجهز على ضحاياه. أشهر بونزي في مصر هو أحمد الريان، الذي جاء بمخطط جهنمي لتعبئة مدخرات الأفراد ودفع معدلات مرتفعة جدا للعائد، في فترة اتسمت بالهجرة المكثفة للعمالة المصرية إلى الخليج، حيث حقق الكثير منهم مدخرات مرتفعة، وفي وقت كانت فيه فرص الاستثمار في السوق المصري في هذا الوقت محدودة للغاية، فلم تكن المضاربة على الأسهم أو الأراضي أو العقارات نشاطا يجذب أصحاب المدخرات، كما كان هناك دائما خوف من إيداع الأموال في البنوك المصرية، نظرا لأن الرأسمالية المصرية لم تنس بعد دروس التأميم والمصادرة التي مارستها على نطاق واسع حركة يوليو 1952، ولذلك عندما جاء بونزي مصر الأشهر بمخطط توظيف الأموال تحت غطاء إسلامي، لم يجد عناء في إقناع المغفلين الذين كانوا يقفون بالساعات في طوابير طويلة لتسليمه تحويشة العمر، وهم لا يعلمون أنهم سيدفعون الثمن لاحقا عندما ينكشف أمر بونزي. الغريب في الأمر أن بونزي مصر استطاع التأثير بصورة سلبية على النظام المصرفي المصري بأكمله، وأثر سلبا على قدرته على جذب المودعات، لدرجة هددت قدرة الحكومة على الاقتراض، حيث كانت البنوك المصرية الوعاء الأول لتسويق السندات الحكومية. كانت فترة السبعينيات والثمانينيات قد شهدت نموا غير مسبوق في مخططات بونزي التي قلدت الريان، كان بعضهم بونزي حقيقياً وكان بعضهم أشد بشعا من بونزي، فما إن يجمعوا قدرا مناسبا من رؤوس الأموال حتى يغادروا البلاد إلى دول محددة، ليتركوا المغفلين دون أي غطاء. آخر أشهر بونزي مر على العالم، وليس الأخير، هو المهاجر الروسي برنارد مادوف الذي وضع مخططا استطاع من خلاله إيهام عدد كبير من المستثمرين الأفراد والمؤسسات المالية وكذلك السلطات المصدرة للأوراق المالية ولفترات طويلة من الزمن. وقد قدرت السلطات الخسائر المحققة على يد مادوف بـ 21 مليار دولار، وإذا ما تم إضافة الأرباح الموعودة إلى الخسائر فإن القيمة ترتفع إلى 64.8 مليار دولار، ولذلك يعد مادوف حاليا صاحب أكبر مخطط بونزي في التاريخ. تشير الدراسات المتاحة إلى أن عناصر الوهم الأساسية التي يبتكرها بونزي لا بد أن تحتوي على مزيج من الآتي: * يقدم بونزي نموذج استثمار بسيطاً جدا، أو سهل التصديق، خصوصا أن بونزي لا يخاطب عقول المغفلين الذين لديهم خبرة محدودة في التحليل المالي ومعدلات العائد الطبيعي، وإنما يخاطب أطماعهم، وعندما يكشف بونزي عن تفاصيل خطته، غالبا ما يخفي الكثير من التفاصيل، أو يدعي أن هذه التفاصيل سرية، أو لا يجب إفصاحها حتى لا يستغل الغير مثل هذه الفرصة الذهبية .. إلخ. * يعرض بونزي عوائد لا تقدمها الأشكال الأخرى من الاستثمار في الأجل القصير، حيث تمنح المستثمرين معدلات عائد مرتفعة جدا، أو غير متسقة. * يقوم بونزي بحملات إعلانية ضخمة، وهي (إضافة إلى مدفوعات الأرباح) تتطلب تدفقات مالية كافية من المستثمرين الجدد لكي تمكن المخطط من الاستمرار على نحو آمن. * يبني بونزي شبكة علاقات عامة من خلال أشخاص لهم انتشار اجتماعي جيد، مما يمكنه من الوصول بسهولة للمغفلين من خلال عملائه الذين قد يكافئهم بسخاء. * ينتقي بونزي اسم شركته أو مخططه بعناية تامة من خلال استخدام ألفاظ موحية، مثل: الريان، أو السعد، أو الهدى ... إلخ. * يستعين بونزي ببعض الخبراء من الصناعة، أو يقوم بإيجاد مثل هؤلاء الخبراء، خصوصا إذا كان الخبير يتمتع بسمعة حسنة ولكنه يعاني ضغوطاً مالية. على مدى التاريخ قامت وانهارت في العالم آلاف من مخططات بونزي، ولكن انهيار المخطط لا يعني انتهاءه، فغالبا ما يأتي بعد فترة قصيرة بونزي آخر يلعب بعواطف وعقول ضحاياه، إنه بالفعل عالم لا يتعلم من أزماته. لم ينته عقد العشرينيات حتى ضربت العالم أعنف أزمة عرفها في التاريخ الحديث، أطلق عليها الكساد العالمي الكبير، وهو موضوع حلقتنا القادمة بإذن الله تعالى.
إنشرها