حذر فضيلة إمام الحرم المكي الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس في خطبة الجمعة الماضي, من الغش في سياق تناوله مسؤولية الاختبارات .. واصفا كل من يقصر في الأخذ بأمانة الاختبارات بالإفراط أو الإجحاف بأنه سيلقى الوزر والمهانة، كما عد ّ فضيلته التقصير في تربية الأبناء والبنات، أو الإهمال في ذلك من قبل الآباء أو المربين, صورة من صور الغش التي نهانا عنها ديننا الإسلامي كأحد أهم أساسيات بناء المجتمع الصالح، مؤكدا ضرورة شغل الإجازة بالبرامج النافعة التي تعود على الجميع بالآثار المباركة في أمور الدين والدنيا والآخرة. وقال فضيلته: ''إن شريعتنا الغراء قصدت في غاياتها وبديع مآلاتها إلى إصلاح الأمم وائتلافها، وتزكية النفوس على تباينها واختلافها، وأقامت لذلك صوى ومعالم متى استمسكت بها المجتمعات انتزع أبناؤها عناصر الخلود والنماء، وخصائص الإحسان في البناء فتجددت بهم الآمال، وسمت بإخلاصهم الأعمال، وغدوا مضرب النبوغ والجلال، وإن من أعظم ما يقوض تلك المعالم الحضارية خصلة موجبة للنبذ والحذر، وقال إنها خلة لكنها خلة ذميمة تقوض الحضارات وتفني مقدرات المجتمعات.. إنها جريرة الغش والخداع''.
كما استعرض فضيلة الشيخ السديس في خطبته ألوان الغش وصوره وأنواعه، وأثره في تدمير قوى المجتمعات، والنيل من سلامها الاجتماعي، وإصابة مفاصلها بالشلل والإعاقة، عندما أشار فضيلته إلى فظاعة هذا الداء وإخلاله بنظام الأمن التجاري، والأمن التعاملي، وتشويهه إشراقة المجتمع المتراحم المتواد .. حيث حرمته الشريعة الخالدة، وتوعدت فاعله بالويل والخسران، وفي ذلك أنزلت سورة المطففين .. قال تعالى: ''ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون''. وأضاف فضيلته قائلا: ''.. ولتلك الخلة الذميمة والعرة القاتمة الأثيمة أقصى المصطفى - عليه الصلاة والسلام - الغاشين عن المجتمع، وعدّهم مارقين عنه منبوذين عن سلكه ووحدته، وأصرته ولحمته فقال: ''من غشنا فليس منا'' أخرجه مسلم في صحيحه, أي ليس على هدينا وسيرتنا في قول المحققين من أهل العلم، وقال إنها صيغة من صيغ العموم تشمل جميع أنواع الغش وصوره لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب''.
كما ركز فضيلته على أن الغش في المعاملات خديعة للمشتري، وله ضروب وصور متعددة، منها خلط الجيد بالوضيع، وبيع الجميع على أنه من الرفيع، أو كتمان عيوب السلع، مشيرا إلى ما يروج له في بعض التخفيضات عبر الدعاية الكاذبة وغير المسؤولة على اعتبار أنه نوع من التدليس والبهتان، وتسويق السلع بكاذب الأيمان .. حيث قال - صلى الله عليه وسلم: ''الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة''. كما بين فضيلة الشيخ غوائل الغبن مستندا إلى الحديث الشريف: ''فإن بيّنا - أي العيوب- وصدقا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما''، مفندا تلك الادعاءات التي ربما تنطلي على البعض عندما يتوهمون أن الغش كياسة وذكاء وأنه نوع من مهارات التسويق, مشددا على ضرورة تجنب مثل هذه المزالق، والرجوع إلى الله في صادق القول والعمل في كل أدبيات التبادل التجاري بين الناس. وقال إن الغش لا ينحصر في البيع والشراء, بل حذر الإسلام من الغش في العقيدة والعبادة، وذلك بالجفاء عنهما أو التنطع فيهما أو الزيادة، أو إحداث عبادات في أشهر ومناسبات لم يكن عليها سلف الأمة وأئمتها، كما يشمل شتى جوانب الحياة، ومن بينها الغش ممن ولي أمرا من أمور المسلمين وأماناتهم، محذرا من الوعيد الشديد الذي يمثله قوله - صلى الله عليه وسلم - ''ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة''. كما استعرضت الخطبة أيضا كل أنواع التقصير والغش في الأمانة، وغش الأمة في فكرها، والنيل من علمائها، والغش في الفتاوى، وغش المرأة المسلمة بدعاوى السفور والغش في المفاهيم والتلاعب بالمصطلحات .. محذرا الجميع من هذه الانحرافات التي تزعزع استقرار المجتمع وتنال من دينه وقيمه وأخلاقه .. داعيا الجميع إلى التمسك بآداب الإسلام والعمل بأدبياته للفوز بخير الدارين.
