الجشع الذي لا يقهر!

|
الجشع وحب الثراء السريع موجود في كل المجتمعات لكنه برز بشكل واضح في مجتمعاتنا ـ مع الأسف ـ بعد ظهور ثورة الأسهم, ولعل هذا ما جعل انهياراته المتتالية تكون أكثر دوياً في المجتمع وفي نفوس كل من اكتوى بنارها, وما أكثرهم. ولو سألت أي شخص من هؤلاء لماذا دخلت السوق آنذاك بكل مدخراتك أو أغلبيتها؟ فسيجيبك بكل صراحة وهو يتألم: الطمع وحب الثراء السريع. أياً كانت مبررات هذا الثراء مثل شراء بيت العمر وضمان مستقبل الأبناء والاغتناء عن الناس وغير ذلك مما يطمح إليه الجميع. ولو سألته أيضاً ما أكبر سبب لانهيار السوق آنذاك؟ لأجابك بكل بساطة: جشع بعض الكبار وطمع أكثر الصغار! والنتيجة خسارة الفئتين, هذا في ماله وهذا في صحته وراحة باله يعقب ذلك خسارة أكثر المال أو بعضه .. والتجارب السابقة وعبر التاريخ تثبت هذا بعيداً عن المنطق والتمنطق، فالطمع مذموم ويؤدي في أغلبية الأحيان إلى الخسارة, وكلنا يعرف المثل الشائع «الطمع أذهب ما جمع»، والجشع مذموم, وهو يؤدي إلى زعزعة نفس صاحبه وظلم الآخرين, وقد قال الشاعر: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخره يأتيك بالندم نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لا تنـم كان الأولى بالجميع أخذ العبرة من تلك الأحداث، إلا أن البعض ـ مع الأسف ـ ازدادوا طمعاً وجشعاً .. فبعد أن كانوا يمنّون أنفسهم «بالتدبيلات» في أسابيع أو أشهر في سوق الأسهم أصبحوا يتحدثون عنها في سوق العقار بيعاً أو إيجاراً بشكل لا يعقل ولا يوافق منطق الاستثمار العالمي ولا أخلاقيات المسلم ومسؤولياته تجاه مجتمعه، ومن جهات أخرى يطل هذا الجشع برأسه في المجتمع بمظاهر أخرى تحتاج إلى وقفة جادة من ولاة الأمر والإعلاميين والخطباء لعلاجها بشكل جذري. دعني هنا ألقي الضوء على بعض تلك الظواهر السيئة: أولاً: الإيجار .. استثمار بلا قواعد ولا تنظيم! .. رغم أن أكثر من 70 في المائة من المواطنين والمقيمين لا يمتلكون منازل ولا يستطيعون أن يمتلكوها، ولا ملجأ لهم بعد الله إلا للإيجار والصبر حتى أجل غير مسمى قبل امتلاك بيت العمر، لقد كانت أسعار الإيجار في السعودية رخيصة ومعقولة بالشكل الذي يتناسب مع حال الإيجار غير المنظم لدينا, الذي يخضع نظامياً للعرف في أسعاره وضوابطه، فالمستأجر يتسلم سكنه شقة كانت أم «دورا» أم «فيلا» «على البلاطة» بلا أثاث ولا تكييف وكل أعمال الصيانة عليه، وانسياقاً وراء الدعاية حول أسعار الإيجار في الدول المتقدمة المملوءة بالمبتعثين رفع ملاك أبراج الشقق الإيجارات فتبعهم البقية، إذ لا يعقل أن يكون إيجار الشقة أغلى من إيجار «دور كامل» أو نصف فيلا .. وهكذا أخذ كل مالك يرفع الإيجار سنوياً بكل جشع بلا ضابط ولا معايير حتى أصبحت بعض الشقق غير المؤثثة والمكونة من أربع غرف صغيرة في مدننا الكبرى أغلى من منزل دورين مؤثث بالكامل بحدائق و»كراج سيارة» في شمال بريطانيا حيث الطبيعة الخلابة والجو النقي الأخاذ رغم ازدحام السياح وكثرة السكان لكن لديهم تصنيفا للوحدات السكنية في فئات وأسعار متقاربة وهي تخضع لضوابط تجارية بإشراف الجهات ذات العلاقة، وقارنت بنفسي الأسعار عبر الإنترنت وعبر التجول على بعض مكاتب العقار .. فهل تتخيل سعر الإيجار في بعض الأبراج أو «العمائر» شمال الرياض لشقه أربع غرف صغيرة وغير مؤثثة يصل إلى 60 ألفا .. وفي صورة من صور الجشع الذي لا يقهر! يصر المالك على هذا السعر حتى لو بقي 70 في المائة من الشقق غير مؤجرة لمدة عام أو عامين! من جهة أخرى ترى أبراج المكاتب التجارية في بعض مدننا خالية لمدة عام أو أكثر في انتظار مستثمر واحد يستأجرها بالكامل بمبلغ خيالي ويعيد تأجير مكاتبها بسعر أعلى لا يعقل .. وهكذا تظل بعض تلك الأبراج لشهور وسنوات خالية يعلوها إعلان «للإيجار بالكامل» في صورة من صور الجشع الذي لا يقهر! ثانياً: يا ساهر .. شواية تسير في الطريق .. في صورة من صور الجشع الذي لا يقهر ترى يومياً وأنت تسير في طرقنا في «عز القايلة» ودرجة الحرارة تقارب 50 درجة مئوية بعض أحواض شاحنات الشركات وهي تمتلئ بالعمال المساكين يظللهم أحياناً صفيح من المعدن غير العازل للحرارة وكأنما هم في شواية بشرية .. في صورة تتنافى مع كل الأخلاقيات ومع حقوق الإنسان ومع نظام المرور الذي يفرض «ربط الحزام» على من يركب داخل السيارة فكيف بمن يركب خارجها في مكان نقل الأثاث والعتاد؟! ألا يستحق هؤلاء العمال حافلة صغيرة مكيفة ليس من باب الترف والرفاهية إنما للضرورة وظروف البيئة التي تقتضي حمايتهم من ضربات وآثار الشمس الحارقة؟ ثالثاً: عمال النظافة والخدمات الذين يعملون في ظروف استثنائية وبرواتب قليلة جداً .. ثم ينتظرون شهورا لتسلم رواتبهم ناقصة في صورة تتنافى مع كل الأخلاقيات ومع حقوق الإنسان وتظهر بشاعة الجشع الذي لم يقهر منذ سنوات! لن أطيل فالطمع والجشع بات ظاهرة تفتك بالمجتمع لا بد من محاربتها وحماية البلاد منها, وصورة قبيحة ومخجلة من صور الاستبداد وظلم الإنسان لأخيه لا بد من طمسها، وهذا لن يكون إلا عبر قرارات حازمة ضدها وإجراءات صارمة تتعقبها ودعوات صادقة من كل العقلاء لتنبيه الناس منها وتخويفهم من آثارها وتذكيرهم دائما بأن الظلم ظلمات يوم القيامة, وقد جاء في الحديث القدسي عن الله تعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ..» الحديث. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها