تمثل زيادات الأجور والعجز الحاصل في العمال مشكلة مفتوحة لرجال الأعمال الأجانب، وكذلك للصينيين في الصين في الوقت الراهن. وتبدو فيتنام، في أيامنا هذه, المكان المناسب كبديل أمام رجال الأعمال لإعادة تركيز نشاطاتهم العملية فيها. وما عليك، حتى تدرك طبيعة ما يجري على هذا الصعيد من تطورات فيما يتعلق بأجور العمالة، إلا دراسة مجموعة الأرقام التالية.
لقد شهدت الأجور ارتفاعاً في إقليم جيانجسو الصيني، حتى آذار (مارس) بنسبة 13 في المائة، حتى بلغ أجر العامل الشهري نحو 140 دولاراً أمريكياً. ومن جانب آخر رفعت شركات متعددة، مثل «هوندا» و»هاي إندصتري»، أجور العاملين لديها بنسبة تصل إلى 20 في المائة، وذلك في أعقاب عدد من حالات الإضراب.
أما في فيتنام، فإن الحد الأدنى للأجور في النشاطات العملية المحلية هو 40.5 دولار في الشهر. وأما في النشاطات العملية الأجنبية، فيبلغ 55.5 دولار، كما أن السلطات خفضت العملة الفيتنامية بنسبة 8.3 في المائة، الأمر الذي يشجع الصادرات.
لقد أصبحت فيتنام وجهة جيدة للنشاطات العملية التي تريد تحقيق معدلات نمو جيدة في السنوات القليلة الماضية. واستطاعت فيتنام أن تحافظ على معدل نمو سنوي بلغ 6.8 في المائة خلال السنوات السبع الماضية، وهو الأمر الذي يثبت قدرتها على الزيادة المستمرة لناتجها المحلي الإجمالي.
من جهة أخرى, استطاعت فيتنام، من خلال عدد من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، تخفيض نسبة الفقر من 60 في المائة في تسعينيات القرن الماضي إلى 15.5 في المائة في الوقت الراهن. ويضاف إلى ذلك أن 57 في المائة من سكان البلاد البالغ عددهم 86 مليون نسمة، ما زالوا دون الـ 30 من العمر، حيث يشكل ذلك مورداً كبيراً للعمالة متدنية الأجور.
غير أن فيتنام ليست مختلفة كثيراً عن الصين فيما يتعلق بوجود بيروقراطية على نطاق واسع، وكذلك حالات فساد كثيرة. ويحول هذان الأمران دون تحقيق شروط اقتصاد السوق في فيتنام. ورغم كل هذه التحديات، فإن هناك أسباباً تدعو إلى التفاؤل، حيث إن رئيس وزراء فيتنام طبق خلال الفترة الأخيرة خطة، بالتعاون مع غرف الصناعة والتجارة، بهدف اختصار الإجراءات الإدارية بنسبة 30 في المائة.
ينظر ماثيو شوارز، الأستاذ في مؤسسة فولبرايت, الذي عمل بصورة وثيقة مع غرفة التجارة الأمريكية في سبيل تسهيل هذا المشروع الإداري المعروف باسم « مشروع 30»، إلى هذا المشروع كحجر أساس بالغ الأهمية من جانبين أولهما أنه يشير إلى جانب مهم يتعلق برغبة حكومة هذا البلد في إعادة دراسة الهياكل الإدارية، وإصلاحها، وذلك لتعزيز فاعلية القانون التجاري في فيتنام. وأما الآخر، فهو أن هذا المشروع يعد بالخلاص من كثير من العوائق البيروقراطية التي تعمل على إعاقة النشاط التجاري على مستوى البلاد ككل.
تتضمن عناصر هذا المشروع الهادفة إلى التخلص من البيروطراقية تسهيل عمليات إنشاء المشاريع، والحد من كثرة الإجراءات الخاصة بتسجيلها لدى الجهات الرسمية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توفير كثير من المال، والوقت. ويبدو أن الحكومة أصبحت أكثر اهتماماً بشؤون المستثمرين الأجانب. وحين أدى إلغاء بعض الإعفاءات الضريبية عن عدد من المجمعات الصناعية إلى ردود أفعال حادة في المجتمع الصناعي، سارعت حكومة فيتنام إلى اتخاذ عدد من الإجراءات التصحيحية في الشهر الماضي. وتم سن قانون لإعطاء قروض من جانب البنوك المحلية بمعدل 50 في المائة من الفائدة السائدة. كما أن هناك عديدا من الحوافز لأصحاب المشاريع الإنشائية، اعتماداً على المرحلة التي بلغها كل مشروع مملوك بصورة مشتركة بين المواطنين والأجانب.
إن من العوامل التي تساعد على زيادة قوة النشاط الاستثماري الحديث في فيتنام، هذه الطبقة المحلية الجديدة من مؤسسي المشاريع، حيث زاد عدد هؤلاء المؤسسين في قوائم أصحاب المشاريع على نطاق البلاد ككل. وتم تسجيل 460 ألف نشاط عملي جديد عام 2009 مقابل 31 ألف نشاط عملي عام 2000. ويبدو أن هذا الاتجاه التصاعدي سيستمر خلال السنوات المقبلة.
هنالك عدة مزايا تتمتع بها فيتنام مقارنة بالصين, لعل من أبرزها أن النظام الحاكم في هانوي أقل إخافة لأصحاب المشاريع الجديدة من ذلك النظام الحاكم في بكين، سواء تعلق الأمر بالمواطنين أم الأجانب. ومن أبرز أمثلة رعاية المشاريع الأجنبية في فيتنام ما تقوم به شركتا جنوم، وريو تنتو، من توسيع لنشاطاتهما بصورة مستمرة.
يضاف إلى ذلك أن الصين سنت خلال الفترة الأخيرة عدداً من القوانين التي تزعج أصحاب المشاريع الجديدة. ومن أمثلة ذلك استخدام نسبة من التكنولوجيا المحلية في هذه المشاريع، بدلاً من التكنولوجيا الأجنبية. وأدى ذلك إلى احتجاجات على نطاق واسع في أوساط المستثمرين الأجانب في الصين.
مع ذلك، فإن المرء لا يستطيع أن ينكر وجود مشكلات في فيتنام بدرجات متفاوتة، وبصورة قريبة مما يحدث في الصين في بعض الأحيان. وقد اضطر بنك ABN-AMRO الهولندي عام 2007 إلى دفع غرامة مقدارها 3.8 مليون دولار بسبب أمور متعلقة بصفقات تبادل عملات بصورة غير مشروعة تمت عام 2006.
ما زالت المجالات الاستثمارية العديدة في فيتنام في انتظار كثير من المستثمرين. وتجمع شركات أسهم كثيرة الأموال استعداداً للشروع في استثمار أموالها في مشاريع فيتنامية جديدة. كما أن هناك صناديق استثمارية متعددة تزيد من نشاطاتها في هذا الاتجاه. غير أنه ما زالت هنالك تنظيمات في فيتنام لا تشجع على استمرار توسع حركة المستثمرين المحليين والأجانب، إذ إن بعض هذه التنظيمات يعمل على التهام نسب مرتفعة من عوائد المشاريع دون أي رحمة.
ومع ذلك، فإن هنالك أمثلة مشجعة من جانب بعض المستثمرين الأكثر جرأة، مثل توم شنايدر الذي لديه 16 عاماً من الخبرة الاستثمارية في الأسواق الآسيوية. وهو يقارن بين مشروعين له برأسمال 12 مليون دولار للمشروع الواحد، حيث إن أحدهما في الصين، والآخر في فيتنام. ويقول إن مشروعه في فيتنام أكثر جدوى، كما أن فترة إنشائه كانت أقصر بكثير. وأما إذا ما كان هذا المستثمر يقع ضمن الأغلبية من أصحاب المشاريع الذين لديهم مثل هذا الرأي، فهو أمر ما زلنا في انتظار الحكم فيه.
وحين سئل أصحاب المشاريع من الفيتناميين عن أساليب زيادة قدرتهم على التنافس مع أصحاب المشاريع الأجانب، أجاب 30 في المائة منهم بأنهم لا يركزون على المنافسة، بقدر ما يتطلعون إلى المنافع المتبادلة الناجمة عن التعاون بين الطرفين. ويؤكد هذا التوجه سلامة الاتجاه للاستثمار في فيتنام.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OPINION ASIA
