وضع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، في كلمته التي ألقاها أمام اجتماع قمة العشرين في تورنتو في كندا، حداً واضحاً بين دعم أبحاث الطاقة النظيفة وبين التحامل على النفط أو التحيز ضده وغيره من أنواع الوقود الأحفوري، مهيباً بالقادة، في الوقت نفسه, إلى تبني سياسات وبرامج عملية لتنفيذ مبادرة الطاقة من أجل الفقراء التي كانت في الأساس مبادرته اللافتة.
هذا الموقف السديد من قائد هذه البلاد، وفي مثل هذا المنتدى العالمي الرفيع، مؤثر من حيث ثقله المعنوي الإنساني الرحب بدرجة أولى، ومؤثر كونه ترجمة لمواقف هذا القائد في موضوعيته وفي حرصه على دفع التقدم والرقي في العالم بكل وسائل العلم والمعرفة والدبلوماسية أيضا، لكن دون أن يكون الاندفاع معصوب العينين عن مصالح الجميع لمصلحة دول بعينها أو وفقاً لمنهج محدد دون اعتبار لتداعياته السلبية وربما الكارثية أحيانا على الآخرين.
لقد كان حضور السعودية في قمة العشرين مؤسساً على الاستقلال في الرأي والموقف باحترام وتفهم للتوجهات النظرية والإجرائية التي يتساجل حولها المنتدون بين مَن ينادون بالإنفاق وضخ الأموال في المصارف والمؤسسات المالية والشركات الكبرى للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية وبين مَن عمدوا إلى سياسة شد الأحزمة والتقشف وفرض الضرائب، وفي هذا لم تكن السعودية ممن تناصر فريقاً على فريق ولا تنحاز لموقف طرف ضد آخر لا لاعتبارات سياسية ولا لاعتبارات مصلحة ضيقة، بل القناعة في أن التجسير بين الموقفين وبناء على آليات سعودية اقتصادية ومالية بحتة تراها لمصلحة العالم فعلاً وليس من باب العلاقات العامة, بل أعربت عنه، ليس في تورنتو وإنما في بريطانيا والصين وواشنطن، إذ لم تندفع في اتجاه بعينه ولا تخلت عن دورها في المشاركة في خلق مخارج من الأزمة سواء عبر توجيه الأموال الطائلة لمشاريع وبرامج التنمية في بلادها كجزء من التنمية العالمية أو في التوافق مع السجال القائم من أجل حلحلة تعقيدات الأزمة بإعادة صياغة السياسات والصلاحيات في صندوق النقد الدولي وفي البنك الدولي، إلى جانب علاقات مالية واقتصادية بين السعودية وغيرها من الدول ترى أنها من خلالها تعمل على تعبيد الدروب للحلول غير المؤلمة وغير المنحازة، لأحد على حساب أحد.
النظر في الأداء السعودي المستقل والمتزن داخل قمة العشرين، خصوصاً منذ نشوب الأزمة وحتى اليوم، يوضح مدى الالتزام المبدئي الذي يحرص خادم الحرمين الشريفين على إبرازه في إدارته دفة السياسة العليا للمملكة بحيث يتطابق النهج مع العمل، والقول مع الإنجاز والوفاء بالعهد والوعد مع النطق بهما، الأمر الذي سلطت عليه الأضواء الباهرة كلمات القائد عن عدم الخلط بين دعم الطاقة النظيفة وبين التحامل على النفط وغيره من الوقود الأحفوري والمطالبة بإنفاذ خطوات عملية بشأن توفير الطاقة للفقراء فيما يشير إلى أن هوية الموقف السعودي المستقل لا تكيل بمكيالين ولا تمايز بين ما هو خاص وعام إلا في حدود السيادة التي تحترمها لنفسها كما للآخرين أيضا.
إن حرص خادم الحرمين الشريفين على بلورة وسطية الموقف السعودي واستقلاليته مع غيرها من الدول النامية الأعضاء بين النهجين الأمريكي والأوروبي، ثم حرصه على التذكير بالتزام إنساني تم قطعه في منتدى الطاقة لتوفير الطاقة للفقراء وفق سياسات وبرامج تراعي ظروف الفقر .. نقول هذا الحرص في الحالتين هما في الواقع وجهان لعملة واحدة .. هي المصداقية العالية التي يتحلى بها خادم الحرمين الملك عبد الله، ويبادر دائماً إلى تأكيدها وتقديمها علامة مسجلة لبلاده، حفظت وستظل تحفظ لهذه البلاد مكانتها وسمعتها على نحو مشرف وباعث على الإشادة دائما.
