الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

إن قمة مجموعة العشرين في تورنتو تزودنا بالفرصة لإلقاء نظرة طويلة فاحصة على الكيفية التي تستطيع بها الاستثمارات الخضراء أن تساعد على التعافي الاقتصادي وتوفير فرص العمل في عديد من البلدان، في حين تعمل أيضاً على توليد المكاسب البيئية، خاصة فيما يتصل بتغير المناخ.

والواقع أن الصين التي وجهت نحو ثلث حزمة التحفيز نحو القطاعات البيئية شهدت ارتفاعاً حاداً في ناتجها المحلي الإجمالي، كما ارتفعت مستويات تشغيل العمالة في مجالات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، إلى أكثر من 1.5 مليون شخص، بعد إضافة 300 ألف عامل عام 2009 فقط.

وفي إسبانيا سنجد أن معدلات البطالة مرتفعة، لكنها كانت لتصبح أعلى كثيراً بلا أدنى شك لولا تبنيها لسياسة ترمي إلى تعزيز استخدام طاقة الرياح ودعم قطاعات التكنولوجيا النظيفة الأخرى، حيث تم إنشاء نصف مليون وظيفة جديدة.

كما استثمرت كوريا الجنوبية أكثر من 80 في المائة من حزمة التحفيز لديها في مناطق تراوح بين النقل المستدام والمركبات ذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة والمباني الموفرة للطاقة. ودعمت كوريا كل هذا بخطة نمو خضراء تمتد لخمسة أعوام وتهدف إلى خفض الاعتماد على الكربون وإنشاء 1.8 مليون وظيفة.

وفي الهند يساعد قانون ضمان تشغيل العمالة الوطنية الريفية على إصلاح وترميم نطاق واسع من البنية الأساسية الريفية الضرورية لدعم معايش الفقراء، بما في ذلك شبكات تخزين المياه في بعض أفقر المناطق في البلاد، مثل أندرا براديش. وتعمل هذه الشبكات على تحسين الأمن المائي، فضلاً عن زيادة مقدارها 25 في المائة في أجور العمال الزراعيين، وأكثر من 3.5 مليار يوم عمل، حيث يخدم البرنامج ككل أكثر من 30 مليون أسرة سنوياً في المتوسط.

وفي مدينة ساو باولو التي تمثل نحو ثلث الاقتصاد البرازيلي، تعكف السلطات على تنفيذ استراتيجية اقتصادية خضراء تراوح بين النقل والمباني الرحيمة بالبيئة.

ورغم أن التحول إلى الكربون المنخفض والاقتصاد الذي يتسم بالكفاءة في استخدام الموارد يكتسب مزيدا من الزخم على مستوى العالم، فإن البعض يزعمون أن هذا التحول إما مجرد تغليف براق لأجندة التنمية المستدامة، وإما مؤامرة لتقييد النمو وليس تحرير طاقاته في البلدان النامية والأقل نمواً. وهي في كل من الحالتين الأجندة المفضلة في البلدان المتقدمة أو البلدان الناشئة السريعة النمو، وهي بذلك أجندة لا تستطيع البلدان الأفقر أن تتحمل تكاليفها.

بيد أن كل هذا بعيد كل البعد عن الحقيقة, فقبل انعقاد قمة مجموعة العشرين، قمنا بتجميع بعض دراسات الحالة الأساسية ـ من المقرر أن ينشر جزء من تقرير رئيسي عن الاقتصاد الأخضر في وقت لاحق من هذا العام.

وفي كينيا وجدنا أن سياسة الطاقة الخضراء الجديدة، بما في ذلك تعريفة التغذية واتفاقية لشراء الطاقة تمتد لفترة 15 عاماً، تعمل على دعم هدف أولي لتوليد 500 ميجاواط من الطاقة الحرارية الأرضية، وطاقة الرياح، وطاقة الوقود الحيوي، فضلاً عن ارتفاع بلغ 40 في المائة في سعة الطاقة في البلاد.

وفي أوغندا نجحت سياسات تشجيع الزراعة العضوية في تقديم أكثر من 200 ألف مزارع معتمد وتوليد نمو قوي في الصادرات، من أقل من أربعة ملايين دولار عام 2003 إلى ما يقرب من 23 مليون دولار الآن.

وفي تايلاند تساعد آليات السوق، بدعم من أهداف طموحة، البلاد على تأسيس شركات الأعمال التي أصبحت رائدة على مستوى الإقليم في إعادة تدوير النفايات، بما في ذلك بعض المشاريع الآن في لاوس وماليزيا، فضلاً عن توفير الآلاف من فرص العمل.

على مدى العامين الماضيين انطلق الاقتصاد الأخضر من النظرية إلى التطبيق. ولقد تحول الآن إلى واحد من موضوعين رئيسين في إطار استعداد الحكومات لمؤتمر ريو + العشرين الذي ستستضيفه البرازيل عام 2010. وهذا المنطق الفطري يقدم، وربما للمرة الأولى، نموذجاً للنمو المستدام يناسب البلدان النامية والبلدان المتقدمة على السواء.

إن الأفكار والسياسات الجديدة، خاصة حين تتحدى الوضع الراهن، تجد دوماً من ينتقدها. لكن كما تظهر دراسات الحالة المتعددة فإن عديدا من البلدان ذات الاقتصاد النامي بدأت بالفعل تعقد عزمها.

إن الاقتصاد الأخضر ليس ترفاً، بل إنه ضرورة حتمية في كوكب يعيش عليه ستة مليارات إنسان ـ وتسعة مليارات بحلول عام 2050. ولقد منحته الأزمة المالية والاقتصادية أجنحة. ويتوقف مدى نجاح الاقتصاد الأخضر على السياسات الذكية التي تتبناها الحكومات الوطنية في البلدان المتقدمة والنامية، وعلى السياسات التطلعية التي تتبناها بنوك التنمية الإقليمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وخطط تمويل التنمية الثنائية التي تنفذها بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

إن قمة مجموعة العشرين في تورنتو لديها الفرصة، إن لم تكن تتحمل المسؤولية، لتمكين هذا التحول من خلال تولي دور قيادي في دعم طموحات البلدان النامية. ويتعين على زعمائها أن يؤكدوا التزامهم بترسيخ استدامة التعافي الاقتصادي العالمي، واعترافهم بقدرة الاقتصاد الأخضر على خلق مسارات تنموية مختلفة جوهرياً وصالحة للتطبيق في مختلف بلدان العالم.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية