أثر تغيرات العملة الصينية في أسواق النفط

أعلن البنك المركزي الصيني في الأسبوع الماضي تغييرا في سياسة صرف اليوان، العملة الصينية التي تعرف محليا بـ «رمينبي», وذلك بجعل أسعار الصرف أكثر مرونة، فسرها كثيرون بأنه رفع رسمي لقيمة العملة الصينية مقابل الدولار، وإن كان هذا الرفع بسيطا، وعلى فترة طويلة من الزمن. ويأتي هذا التصرف نتيجة ضغوط ضخمة تمارسها الدول الصناعية، خاصة الولايات المتحدة، على الصين لرفع قيمة عملتها المرتبطة بالدولار، وذلك لأن قيمتها السوقية أعلى بكثير من قيمتها الرسمية التي تحددها الحكومة. وتهدف الحكومة الصينية من تسعير عملتها بأقل من قيمتها الحقيقية إلى عدة أمور أهمها جعل البضائع الصينية أرخص في الأسواق العالمية، الأمر الذي يشجع قطاع الصادرات. وقبل الخوض في تفاصيل العلاقة بين العملة الصينية وأسواق النفط العالمية لا بد من ذكر حقيقة تاريخية هي أن العملة الصينية كانت مربوطة سابقا بالفضة، وعندما اشترت حكومة الولايات المتحدة من نحو 70 عاما كميات ضخمة من الفضة، ارتفعت أسعارها، وارتفعت معها قيمة العملة الصينية بشكل كبير. عندها طلبت الصين من الولايات المتحدة شراء الفضة التي لديها بهدف زيادة المعروض وتخفيض أسعارها، وبالتالي تخفيض قيمة العملة، فوافقت الحكومة الأمريكية على شراء كمية منها على شرط أن يتم ربط العملة الصينية بالدولار. وافقت الصين على ذلك، وتم ربط عملتها بالدولار. ويبدو أن تصرف الولايات المتحدة كان ردة فعل على احتمال قيام الصين بربط عملتها بالجنيه الاسترليني. ودار الزمن دورته، والآن تطالب الولايات المتحدة الصين بفك ارتباط عملتها بالدولار، مع أنها هي التي ضغطت على الصين لربط عملتها بالدولار. اليوان والنفط تحتل الصين المركز الثاني في استهلاك النفط عالميا بعد الولايات المتحدة، إلا أنها تتميز عن الولايات المتحدة بأن استهلاكها للنفط ينمو بمعدلات كبيرة. وبما أن النفط يباع ويشرى بالدولار، فإن أي رفع لقيمة اليوان أو فك ارتباطه بالدولار سيجعل النفط مقيما باليوان أرخص بنسبة ارتفاع اليوان نفسه. مثلا، إذا ارتفعت قيمة اليوان مقارنة بالدولار 10 في المائة، فإن أسعار النفط مقيمة باليوان تنخفض 10 في المائة أيضا. فعلى فرض أن متوسط سعر برميل النفط الذي تستورده الصين هو 70 دولارا، وكان سعر الصرف سبعة يوانات لكل دولار، فإن سعر برميل النفط مقيما بالعملة الصينية هو 490 يوانا. فإذا تم رفع العملة الصينية بمقدار 10 في المائة، فإن كل دولار يساوي 6.3 يوان بدلا من سبعة يوانات. في هذه الحالة ينخفض سعر برميل النفط في الصين من 490 يوانا إلى 441 يوانا. إذا رفع اليوان بمقدار 10 في المائة يخفض تكلفة النفط داخل الصين بنحو 50 يوانا. إذا كانت الصين تستورد نحو 5.5 مليون برميل يوميا، فإن تخفيض اليوان بمقدار 10 في المائة يخفض فاتورة واردات النفط بمقدار مليار يوان تقريبا في السنة، أو ما يعادل 143 مليون دولار سنويا. هذا الانخفاض في السعر، في ظل النمو الكبير في الطلب على النفط في الصين وزيادة المنافسة سيؤدي إلى زيادة طلب الصين على النفط فوق المعدلات المتوقعة في حالة عدم رفع قيمة اليوان. وسيؤدي هذا بدوره إلى الضغط على أسواق النفط العالمية، وقد يشجع دول «أوبك» على زيادة الإنتاج. أما أثر رفع قيمة اليوان في أسعار النفط فإنه يعتمد على عدة أمور أهمها سلوك دول «أوبك» ومدى رغبتها في زيادة الإنتاج. فإذا لم تقم «أوبك» بزيادة الإنتاج فإنه يتوقع أن ترتفع أسعار النفط نوعا ما. وكان أثر رفع اليوان في عام 2007 وبداية عام 2008 في أسعار النفط كبيرا في ذلك الوقت بسبب تلاشي الطاقة الإنتاجية واستمرار الطلب على النفط بمعدلات عالية في أنحاء العالم كافة، وتوقع استمرار هذه المعدلات. أثر قرار الأسبوع الماضي فاجأ البنك المركزي الصيني الأسواق العالمية بقرار زيادة مرونة سعر الصرف، لكن القرار كان ضبابيا لدرجة أن البورصات العالمية ارتفعت بشكل كبير بعد القرار مباشرة، ثم انخفضت انخفاضا شديدا بعد سويعات عندما اكتشف المتعاملون والمحللون مدى ضبابية القرار من جهة، وأن الرفع سيكون بسيطا للغاية، إن حصل، من جهة أخرى. ويتضح من القرار وتوقيته أنه كان يهدف إلى تلافي الحديث عن موضوع العملة الصينية في قمة العشرين التي عقدت في بداية الأسبوع الحالي في تورنتو، كندا. لذلك فإن أثره سيكون بسيطا في أسعار النفط. ورغم أن الإعلان الصيني سيخفف من الضغط على الصين في قمة العشرين، إلا أنه لن يلغي الضغط نهائيا، الذي سيستمر بعد القمة. ويتوقع أن يستمر اليوان في ارتفاعه التدريجي مقابل الدولار، الأمر الذي سيسهم في رفع الطلب الصيني على النفط مع مرور الزمن إذا بقيت أسعار النفط على مستوياتها الحالية. أما إذا ارتفعت أسعار النفط فإن رفع اليوان مع مرور الزمن سيخفف من حدة أسعار النفط، وسيسهم في تخفيض تكاليف الشركات الصينية، خاصة كثيفة الطاقة. إضافة إلى العوامل الداخلية في الصين التي سترفع العملة الصينية مقابل الدولار مع مرور الزمن، فإن زيادة العجز في الموازنة الفيدرالية للولايات المتحدة، وزيادة العجز في الميزان التجاري ستسهمان في تخفيض الدولار مقابل اليوان. هذا يعني أن الضغوط على الصين لفك ارتباطها بالدولار أو لرفع قيمتها مقابل الدولار ستزداد بشكل كبير مع الزمن، وسيؤدي هذا بدوره إلى زيادة الطلب على النفط في الصين، وانخفاض تكلفته فيها.
إنشرها