الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

المجتمعات القوية هي التي تكون فيها نسب الإنجاب عالية فتكون دائما في دائرة المجتمعات الشابة، وذلك لا يكفي ما لم تكن بشبكات وعلاقات أسرية قوية، ومحكومة بقيم دينية تعبدية. وهذه الرؤية هي خلاصة ما انتهت إلى التجارب العالمية في ظل النظام العالمي الجديد، فقد ثبت أن امتلاك القوة البشرية (الطاقة الأهم للحياة) هو المؤشر الحقيقي لامتلاك القوة. حيث تشير التقديرات إلى الانعكاسات الكامنة للنمو السكاني والروابط الأسرية على نهضة المجتمعات، وتؤكد على الآثار المهددة للمجتمعات التي تعاني نقصا في هذا الجانب.

إن المنطلق الاجتماعي الإسلامي يقوم على الموقع المحوري للأسرة في سد الثغرات الاجتماعية التي تحدث نتيجة إهمال مؤسسات المجتمع الأخرى لأدوارها أو تقصيرها، وتتركز مهمتها في إحياء الروابط الاجتماعية، عندما تحيط الأخطار بالمجتمع وتتغلغل في حياته اليومية.

إن الأسرة هي العقبة الأكبر في طريق عشاق الحياة الأنانية (الفردية)، الذين يحولون الحياة إلى ''ساحة حرب مصلحية'' بين أفراد المجتمع، وهي المدرسة التي تعلم الأجيال كيفية الانصياع لقيم المجتمع وللخبرات التي تكبرها.

ليس من المصلحة ولا من الإصلاح تزايد المطالبين بالسير خلف رغبات الشباب وأمزجتهم المتقلبة، فالأسرة لا يصلح أن تكون تابعة للشباب ما لم يكن هناك علاقة قوية بين الأجيال تحترم الهرم الإداري في داخل الأسر. وهذا لا يعني أن تلغى شخصية جيل الشباب وإنما يعني إحداث توازن، ربما يكون الشباب هم رواده إذا ما كان الإشكال الذي يخشى عليهم منه قد أصاب الكبار.

إن الأطروحات والحلول الفضائية التي تقدم للأسر وللشباب دون مراعاة لطبيعة النظام الأخلاقي لمجتمعهم والعوامل الرئيسة في تشكيل شخصياتهم تقودهم إلى منظومة من المفاهيم والتصورات المضطربة التي يمزجها العمل الإعلامي؛ فتنطلق في مناقشة مواضيع الأسرة والشباب من خلال منظور اقتصادي مادي محض، مع طرح الحلول في صيغ مادية يتم العمل على تسويقها لتكون مألوفة في الثقافة المرئية، من خلال تبني النماذج الفاقدة للقيم الأصيلة، أو من خلال صور تغري على الانجراف دون خشية من العقوبة.

على العقلاء في مجتمعنا أن يبرهنوا للأجيال الناشئة أن العلاقة بينهم وبين أسرهم ليست علاقة صراع وتصادم، وأن يربطوا مصالحهم بمصالح أسرهم، وأن يشوهوا صور الحياة الفردية ويستدعوا النماذج والقصص والأحداث التي تكشف ذلك.

ويجب كشف المحاولات النظرية التي تستهدف وضع المجتمع على طرفي معادلة النجاح أو الأسرة، أي إما النجاح في الكسب المادي أو التفرغ لتحمل أعباء الأسرة ونفقاتها، فهذه الأقلام والأصوات بعيدة عن الحقائق التي تحرك الإصلاح الحقيقي في المجتمع.

يؤكد الألماني ''فرانك شرماخر'' مؤلف كتاب ''الحد الأدنى'' أن قدرة الألمان على الخروج من مخلفات الدمار الشامل نتيجة الحرب العالمية الثانية، وإنقاذ أنفسهم مجتمعا وأفرادا في وقت واحد لم يكن سببه ما يوصف بالمعجزة الاقتصادية، وإنما هي في الواقع معجزة اجتماعية ومن خلال مفهوم الأسرة الذي ساد حتى السبعينات من القرن الماضي.

ويقول: ''وضعنا الراهن يستدعي تحولا اندماجيا اجتماعيا كالذي كان عام 1945، فعلى ألمانيا اليوم أيضا إعادة بناء نفسها، ولكن نقطة الانهيار الآن هي الأسرة، المؤسسة التي وجدت آنذاك القوة الأساسية لإعادة إنشاء البلد. ألا يمكن أن يتحقق الآن مثل الذي تحقق بالأمس؟''

ثم يقول: ''كان من أبرز ما أظهرت دراسة العلاقات الاجتماعية عن الثورة الجنسية التي أباحت المحرمات السابقة؛ أن علاقة ''الحب'' أصبحت مفقودة، ففُقد أساس الحرص على الأسرة والإنجاب، واستبدل المجتمع بالمتعة الجنسية وحدها التي تدمر كل شيء، وقد أسهم في ذلك: عروض التلفزة والمسرح وغيرها من العروض الثقافية والفنية التي لم تعد تقدم الأسرة أنموذجا يؤثر إيجابيا في المشاهدين، بل أصبح النموذج الأول فيها هو الفرد دون ''أسرة'' فنحن جميعا، لا سيما أطفالنا، نشاهد كل يوم، كل مساء، نماذج لا نهاية لها عن صداقات وهمية، وأزمات وهمية، وزيجات وهمية.. والمثير للقلق هو الازدياد الملحوظ في عدد من يحاولون تقليد هذه الصور الوهمية''.

إن بداية الانهيار دائما تنطلق من انقلاب فكري عند جيل يغفل إنجازات الجيل السابق بإمكاناته وقدراته، ويتحرك بمنطلقات فردية أنانية تؤدي إلى انخفاض مستوى العلاقة بين الأجيال. فهل ننتظر العواقب حتى نغير من حالنا؟ وهل نستسلم لتهمة التقليدية فنتخلى عن الحد الأدنى للحياة السليمة؟

إن العناية ببقاء المرأة قدر الإمكان في بيتها ينطلق من كونها أساس ''الكيان الأساسي'' للتنظيم الاجتماعي، فهي راعية ومديرة المؤسسة الأهم في النظام الاجتماعي، الأسرة، الحد الأدنى للحياة الاجتماعية السليمة، وهي –المرأة- الأقدر على تحقيق التوازن الاجتماعي والعاطفي، من خلال دورها ومكانها ومكانتها، على صعيد كيان الأسرة، وعلى صعيد إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية. وأي مشروع إصلاحي لا يعزز مكانة الأسرة ومركزيتها في عملية التفاعل الاجتماعي فهو مشروع مبتور وستكون نتائجه عكسية على المدى البعيد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية