إذا سارت كل الأمور على ما يرام، فإن كل مواطن مؤهل للانتخاب في ماينمار سيشهد بحلول تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام ثلاثة مستويات من الانتخابات التي يمكن أن تشير إلى مفهوم جديد للديمقراطية. وستعمل هذه الانتخابات الثلاثة على تحديد شكل البرلمان في المركز، وشكل برلمانيين محليين على مستوى الأقاليم والمناطق. وبالتالي، فإن المواطن سيكون له صوت في الدوائر المحلية، وكذلك في الدوائر الانتخابية على مستوى البلاد ككل. وعلى الرغم من أهمية صوت المواطن في هذه الانتخابات، إلا أن احتفاظ رئيس أركان الجيش في ماينمار بربع المقاعد لأفراد القوات المسلحة يجعل أهمية صوت المواطنين أمراً قابلاً للنقاش. والواقع أن هذه هي بالفعل روح الديمقراطية الجديدة المنضبطة.
على الرغم من كل ذلك، فإن التحول إلى مثل هذا النوع من الديمقراطية سيكون خطوة إلى الأمام في بلد يخضع لسلطة الأنظمة الديكتاتورية منذ عدة عقود من الزمن. ومع ذلك، تظل هنالك أسئلة قليلة لا بد من طرحها. ولعل أهمها هو: إذا ما كانت الانتخابات ستتم في موعدها, كما قالت المجموعة العسكرية الحاكمة؟ وهناك قضايا أخرى ذات أهمية بهذا الخصوص، وتتعلق بمدى قوة الأحزاب السياسية، ومواقف جهات التمرد المتعددة في البلاد، ومسألة عدالة الانتخابات ونزاهتها. ويعمل موقع البلاد الاستراتيجي، وما جرى من حديث حول تقدم على الطريق النووي، على جعل العالم يراقب هذه الانتخابات من كثب.
يبدو أن توجهات الانتخابات ستمثل حدثاً مهماً تدل عليه استقالة أعداد كبيرة من ضباط الجيش بقيادة رئيس الوزراء، ثين سين، لتشكيل حزب الاتحاد للتضامن والتنمية. ومما لا شك فيه أن من يتم انتخابهم من أعضاء هذا الحزب سيعملون على خدمة مصالح المجموعة العسكرية الحاكمة في البلاد، حيث هناك تصميم على جعل ربع أعضاء برلمان البلاد والبرلمانات الإقليمية، من أفراد القوات المسلحة، إذ تحاول المجموعة العسكرية جعل هذا الأمر دستورياً.
نص قانون الانتخابات الجديد في البلاد على ضرورة تسجيل جميع الأحزاب طلباتها في المشاركة في الانتخابات كي تحصل على موافقة على ذلك قبل الانتخابات. ولم تقبل جبهة الأحزاب تحت لواء المجموعة الوطنية من أجل الديمقراطية، بقيادة أونج كي، بذلك. وسبق لها أن فازت في انتخابات عام 1990 بـ 392 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغ 492 مقعداً. وإذا لم يسجل الحزب طلباً لخوص الانتخابات، فلن يحق له المشاركة فيها. وظهرت جماعة منشقة عن هذا التحالف بقيادة خين سوي، وقدمت طلباً للمشاركة في الانتخابات المقبلة.
والواقع هو أن معظم الأحزاب جديدة، حيث إن أحزاباً ثلاثة فقط سبق لها أن شاركت في انتخابات عام 1990, وبالتالي، فإن حزب المجموعة العسكرية يتمتع الآن بوضع متفوق، إذ إن من يحتمل أن يتحدوها هم عدد قليل من القادة من أصحاب الجاذبية المميزة الذين دخلوا الساحة حديثاً، إضافة إلى ممثلي المجموعات العرقية الرئيسة الذين يديرون حركات تمرد خاصة بهم. ولن تستطيع المنافسة سوى الفئة الأولى الممثلة للقادة الجدد على المستوى الشامل للبلاد. وأما قادة المجموعات العرقية، فإن مجال تحقيق إنجازات مهمة لهم، هو ساحة الأقاليم، بعيداً عن المركز.
وإن من بين الشخصيات المهمة التي دخلت الساحة السياسية خلال الفترة الأخيرة، ثان ثان نو، ابنة رئيس الوزراء الأسبق، يونو، وكذلك شوشو نيين، ابنة نائبه، كياو نيين، حيث أنشأتا الحزب الديمقراطي الذي عرف عنه أنه حزب فيما يطلق عليه القوة الثالثة البعيدة عن ارتباط مع المجموعة العسكرية الحاكمة.
غير أنه دون وجود هيكل تنظيمي ناضج، فإن هذا الحزب لن يتمكن من المضي بعيداً في التأثير في المجموعة الحزبية التي شكلها العسكريون. ومن الأحزاب التي تتحرك بنشاط في الاستعدادات للانتخابات المقبلة، حزب ماينمار الديمقراطي من أجل مجتمع جديد الذي تم تشكيله عام 1988. ولدى هذا الحزب جهاز وظيفي تنظيمي قوي نسبياً، حيث بإمكانه أن يشكل تحدياً محدوداً. ويضاف إلى ذلك أن حزب الشعب الذي يقوده هتون كياو، هذا الشيوعي السابق، لديه جهاز وظيفي قوي.
أما بالنسبة إلى مجموعات التمرد، فإن عدداً قليلاً منها قبل مبدئياً أن يكون ميلشيات مسلحة بإشراف قيادة الجيش المركزية. وكانت الجماعات التي قبلت هذا العرض أقرب إلى أن تكون الأضعف بين جماعات التمرد على صعيد البلاد. ولجأت جماعات متمردة معينة إلى أسلوب تشكيل الأحزاب السياسية الخاصة بها من أجل التمكن من المشاركة في الانتخابات المقبلة. ومن أمثلة هذه الجماعات تلك التي شكلت حزب ولاية كاشين التقدمي، حيث إن الدكتور توجا، زعيم هذا الحزب الجديد، كان عضواً في المكتب السياسي لمنظمة كاشين التي تدعو إلى الانفصال.
إن قضية نزاهة الانتخابات، وإنجازها بطريقة سلمية، تعمل على إثارة القلق، والمخاوف من قبل المجتمع العالمي. وجرى الاستفتاء الخاص بمسألة قبول الشعب بالدستور الجديد في أعقاب إعصار نرجس المدمر، بطريقة سلمية. غير أن فوز الدستور الجديد بما نسبته 94 في المائة من الأصوات يظل أمراً تحوم حوله الشكوك.
وفي ظل حجز حصة مسبقة للمجموعة العسكرية في مقاعد البرلمان، فإنها لم تعد في حاجة إلى تزييف الانتخابات. وهنالك فرصة فعلية لتنظيم انتخابات سلمية في ظل مشاركة مجموعات التمرد فيها. غير أنه يظل هناك احتمال ببعض العنف أمام صناديق الانتخابات، ووجود أصوات مزيفة، الأمر الذي يبعث على القلق.
لقد رفضت ماينمار حتى الآن وجود مراقبين دوليين على الانتخابات المقبلة, غير أنه في ظل توقعات الحكام العسكريين لفوز مؤكد، فإنهم قد يسمحون لعدد من المراقبين الدوليين بالإشراف عليها حتى يكتسبوا مزيداً من الشرعية. وقد يتم كذلك إطلاق سراح سو كيي لإعطاء انطباع جيد للعالم ككل قبيل بداية الانتخابات. ومع ذلك، فإنها، ومناصريها، سيسمح لهم بمراقبة ما يجري من انتخابات من مسافة بعيدة.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OPINION ASIA
