السياسات الاقتصادية التي تبناها الملك عبد الله خلال السنوات الخمس الماضية نقلت المملكة من اقتصاد الطفرة واقتصاد الوفرة إلى أضخم حراك اقتصادي يشهده الوطن في تاريخه، خصوصا عندما توجهت تلك السياسات نحو بناء المدن الاقتصادية ومدن المعرفة إلى جانب بناء الجامعات وتعديل مسارها ببوصلة البحث العلمي الذي يفضي إلى إنتاج المعرفة ثم استثمارها.
وكان من الطبيعي أن تبرز تلك السياسات باتجاه الاقتصاد النوعي ثقل المملكة الاقتصادي، وقدرتها على التأثير في الاقتصاد الدولي، وتحديدا بعد النجاح الباهر للسياسات المصرفية, الذي أثبت قدرة المملكة على تجاوز منعطفات الأزمة المالية التي لم تنج منها مؤسسات اقتصادية كبرى في مختلف دول العالم الأول اضطرت إلى إشهار إفلاسها أمام فقدان القدرة المالية على الوفاء بالتزاماتها.
هذا الدور الكبير الذي لعبته المملكة في توجيه اقتصادها نحو الإنتاج في مرحلة من أصعب المراحل التي يمر بها الاقتصاد العالمي كان كافيا لأن تتجه إليها كل الأنظار الدولية إما لتعزيز الشراكة معها كاقتصاد مؤثر، وإما لاستقطابها إلى نادي العشرين, ليس فقط كونها إحدى أهم الدول المنتجة للنفط أو لملاءتها المالية، إنما أيضا لذلك الرصيد الكبير من الثقة في تأمين الاستقرار للاقتصاد العالمي، وبالأخص دورها المسؤول في منتدى الطاقة ومنظمة أوبك.
لذلك دخلت المملكة منتدى العشرين من أوسع الأبواب, لأنها وعت بسياساتها الاقتصادية الحكيمة, كيف تجنب نفسها منزلقات الأزمة المالية، مثلما وعت بمنتهى المسؤولية دورها في حماية الأسواق النفطية من الإذعان لحمّى التربح من الأزمة على حساب المجموعة العالمية, لأنها تؤمن بأن هذه السلعة الاستراتيجية يجب أن تبقى بمعزل عن المضاربات التي قد تعصف بطرفي المعادلة المنتجين والمستهلكين في وقت واحد، وهو ما أسس لها من الموثوقية ما جعلتها محل ترحيب دول العشرين الاقتصادية كافة، التي وجدت فيها الشريك الاقتصادي والسياسي الموضوعي الذي يرفض خلط الأوراق، والعبث بالاستقرار الدولي من خلال استثمار الأزمات.
غير أن هذا الأمر ليس هو بالتأكيد كل الصورة المعيارية التي وضعت المملكة في وسط دول العشرين, لأن ما بات يجري على أرض المملكة, خاصة في السنوات الخمس الأخيرة, من حراك اقتصادي كبير ومؤسس على قواعد صلبة، حوّل البلد برمته إلى ورشة عمل كبرى، وما سبق ذلك من اتفاقيات شراكة اقتصادية قادها الملك عبد الله خلال زياراته المتعددة لدول الشرق والغرب، والتي لا يزال يواصل حلقاتها حتى اليوم مصحوبا بوفود كبيرة من قوى الاقتصاد الوطني ورجال المال والأعمال، لفتح الأبواب أمام حركة الاقتصاد المحلي واستقطاب رأس المال الأجنبي إلى السوق السعودية .. ثم الإنجاز الكبير في تحقيق المملكة المركز الـ 13 دوليا في مناخات الاستثمار .. كل هذا شكل بالنتيجة قيمة مضافة لدخول المملكة إلى هذا المنتدى الدولي المهم بوصفها واحدة من أهم وأبرز الدول المؤثرة في الاقتصاد العالمي، والقادرة أيضا, بفضل التزاماتها الأخلاقية, على تصحيح مسار هذا الاقتصاد، والإسهام في معالجة إخفاقاته التي لم يشهد لها العالم مثيلا منذ أوائل القرن الماضي.
إن الاحترام الذي تحظى به المملكة على صعيد الدول والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وفي المقابل احترام الدول النامية سياسات المملكة النفطية التي رفضت الزج بتنمية تلك الدول الفقيرة في حمّى التنافس الجشع على رفع الأسعار, سيجعل منها في قمة تورنتو خط الاستواء الفاصل بين أطماع الكبار ومتطلبات التنمية في البلدان النامية وصولا إلى أفضل الصيغ لحفظ حقوق الطرفين دون إفراط أو تفريط ، وهو ما يجعلها بقيادتها الحكيمة تحتل مركز الثقة لدى الجميع.
