المطارات ليست مجرد محطات للسفر الدولي والمحلي, بل هي واجهة لأي بلد وبوابة، منها يتم العبور إلى ثقافة أمة وحضارة مجتمع وسلوك أفراد تراه بعينك دون حاجة إلى شرح مرشد أو دليل سياحي, فما تراه يعطيك الصورة الحقيقية عن نهضة الدولة وتقدمها وإمكاناتها المادية ومستوى الخدمات فيها وطبيعة العلاقة بين المسافرين وموظفي خدمات المطارات من جمارك وجوازات وأمن وغيرهم.
ولمن لا يدخنون ولا يحبون أن يكونوا حاضرين في مكان يتم فيه التدخين حتى لو كان تدخينا سلبيا عن طريق المشاركة في استنشاق بقايا هواء ملوث نفثته أفواه الآخرين, هناك بشرى لهم, وهي أيضا مبادرة توجيه لمن يدخنون ليكون لديهم وقت مستقطع بقوة القانون وإراحة الرئتين من التغذية بهواء فاسد, فلن يكون هناك مدخن في أي مطار من مطارات المملكة الدولية والمحلية ومرافقها لأن قانونا جديدا تم سنه ليس تضييقا على المدخنين, لكنه من أجل المحافظة على نقاء الهواء في أكثر الأماكن ارتيادا من قبل الجمهور من المسافرين, مواطنين ومقيمين, ومن جميع الجنسيات, القادمة والمغادرة لمختلف الأعمال والمهام.
إن منع التدخين في جميع مطارات المملكة ومرافق تلك المطارات رسالة تحمل مضمونا إيجابيا, فالقانون هنا أداة للمحافظة على الصحة العامة في أكثر الأماكن ازدحاما, ويحمل في طياته نصيحة بأسلوب يجمع بين الحث على محافظة كل فرد على صحته وسعيه إلى المحافظة على صحة الآخرين, كما أن هذا المنع يعطي الدلالة الواضحة على أن هناك توجها مماثلا لما يجري عليه العمل في جميع دول العالم, وهو المحافظة على الصحة العامة, فالتدخين آفة الآفات ومعضلة المجتمعات, وهو قاتل يقبع بين الأصابع يختاره البعض دون أن يفرض نفسه على أحد.
ولعل هذا القانون يقف على خط رفيع بين حد الحرية الشخصية وحد إيذاء الآخرين, حتى إن كان الإيذاء غير مقصود للإضرار بالآخرين, فالضرر واقع لا محالة على مرتادي الأماكن العامة, وقد يفتح هذا القانون الباب للتطبيق في كل الأماكن العامة وبالذات المرافق الحكومية التي يشترك في الاستفادة والانتفاع بخدماتها كل المواطنين والمقيمين, ولعل وزارة الصحة هي الأقرب إلى حقيقة الأرقام المؤلمة لضحايا التدخين وحجم الخسائر المادية التي تنزل على ميزانية الوزارة دون رحمة لتقضم منها حصة وضريبة التدخين التي تتكبدها الوزارة دون ذنب, هذا فضلا عن الخسائر الشخصية لمن أصيبوا بأمراض التدخين وعانوا لإصلاح ما أفسدوه بأيديهم. وربما يهزأ البعض بما يسميه الأطباء التدخين السلبي الذي لا يصدقه كثيرون, فهو في الحقيقة سبب لأمراض السرطان في الرئة والشرايين حتى إن كان الشخص غير مدخن, وخير شاهد على ذلك إحدى المريضات التي اكتشف الأطباء أنها مصابة بمرض السرطان في الرئة واتضح أن سبب ذلك أنها مدخنة, وحين تيقن الأطباء من أنها غير مدخنة بحثوا عن الجاني الذي كان في الواقع زوجها المدخن, فهي تعيش معه منذ 40 سنة تشاركه حياته حلوها ومرها, ولعل أمرها هو الهواء الملوث الذي كان يهديه لها على الدوام نهارا وليلا, فماتت الضحية وبقي الجاني يواصل تلويث الهواء على باقي أفراد الأسرة.
إن مبلغ الغرامة وقدره 200 ريال ليس سوى مبلغ رمزي سيخضع لضوابط تضعها هيئة الطيران المدني, لكن من تهاون في دفع المبلغ يجب ألا يتهاون معه الضحايا والمتضررون من سلوكه غير القانوني, فدفع المبلغ لا يعني انعدام المخالفة. إذا يحق لكل حريص على صحته أن يطلب منع المدخن من التدخين عن طريق رجال السلطة العامة في المطارات ومرافقها, وسبق نجاح قرار منع التدخين في الطائرات وأصبح واقعا ملموسا, وقريبا ستكون المطارات ومرافقها كذلك وربما المرافق العامة قريبا.
