هل ستقدم القيادة الإيرانية على ممارسة حقها في الدفاع عن سيادتها، في حالة تعرض منشآتها النووية لهجوم؟ وهل بالإمكان اللجوء إلى سيناريوهات أخرى بديلة؟ وما إسقاطات أية مواجهة عسكرية قادمة على الأوضاع الإقليمية، خاصة الأوضاع في منطقة الخليج العربي؟
رغم ما أشرنا إليه من صعوبة إقدام الإدارة الأمريكية على مغامرة عسكرية تجاه إيران، بسبب أوضاعها العسكرية والسياسية في العراق وأفغانستان، وأزمتها الاقتصادية المستعصية، فإن مانشيتات الصحف، والتقارير الإخبارية والتصريحات والتحركات، وردود الأفعال، والإعداد النفسي والإعلامي للحرب من جميع الفرقاء المعنيين مباشرة بالملف الإيراني، تشير جميعها إلى أن المواجهة العسكرية قادمة لا محالة.
الوكالة الدولية للطاقة، المعنية مباشرة برصد المستوى الذي قطعته إيران في وضع طموحاتها النووية قيد التنفيذ، تؤكد عدم تعاونها مع الوكالة، بما يسهم في تعقيدات أكثر للموقف. وأنها أخذت عينات من منشأة نطنز الإيرانية لتخصيب اليورانيوم أكدت مستوى التخصيب الذي أعلنته إيران. ولم تستبعد حصولها على البلوتونيوم, الذي يمكن استخدامه في إنتاج أسلحة نووية, من الخارج.
أما معهد العلوم والأمن الدولي الأمريكي، فيشير إلى تنامي قوة إيران العسكرية، وأنها وسعت موقعا لتحويل اليورانيوم في أصفهان، وعززت الدفاعات في محطة لتخصيب اليورانيوم تحت الأرض للتصدي لأي هجوم عسكري محتمل، حسب صور التقطتها الأقمار الصناعية. ومن جهتها، ذكرت مجلة ''ذي نيويوركر'' أن الإدارة الأمريكية تفكر في توجيه ضربات عسكرية لإيران باستخدام قنابل نووية تكتيكية.
من جانب آخر، قال ريتشارد كلارك وستيفنز سايمون، المكلفان أثناء إدارة الرئيسين كلينتون وبوش بتنسيق مكافحة الإرهاب لصحيفة ''نيويورك تايمز'', إن إيران سترد على الحرب عليها بمهاجمة منشآت النفط في المنطقة بما يؤدي إلى تجاوز سعر برميل النفط عتبة 100 دولار. وفي سياق الموضوع ذاته نشرت صحيفة ''نيويورك تايمز''، نبأ قيام سلاح الجو الإسرائيلي بمناورات عسكرية استعدادا لهجوم محتمل على إيران.
وفي هذا الإطار نقلت صحيفة ''صنداي تايمز'' البريطانية أن طهران دربت انتحاريين لضرب أهداف بريطانية وأمريكية في حال تعرضت منشآتها النووية لهجوم.
أما وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي فصرح بأن أوضاع العراق، لا تضع الولايات المتحدة في موقع يؤهلها لمواجهة طهران، وأن على الأمريكيين أن يدركوا أنهم ليسوا في وضع يتيح لهم إثارة أزمة جديدة في المنطقة. وحذر قائد حرس الثورة في إيران الإدارة الأمريكية، في تصريح لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية, من ارتكاب خطأ استراتيجي آخر، في حال فكرت في الهجوم على بلاده. وقال إن الأمريكيين يعلمون أن قواتهم في المنطقة هشة وغير محصنة. ونصح الأمريكيين بألا يورطوا أنفسهم في مستنقع آخر قبل أن يخرجوا من مستنقع العراق. أما الإسرائيليون فيعلمون أن صواريخ الجمهورية الإسلامية، قادرة على إصابة أهدافهم.
وفي تل أبيب، صرح رئيس مجلس الأمن القومي غيورا إيلاند بأن ليس هناك ما يكفي من الوقت للرد على البرنامج النووي الإيراني الذي لا يهدد إسرائيل وحدها. وأوضحت مصادر إسرائيلية أن التدريبات الجوية الإسرائيلية بدأت منذ عام 2005، عندما تسلم قائد سلاح الجو السابق دان حالوتس رئاسة هيئة الأركان، وحصل على تفويض كامل بتعزيز الاستعدادات العسكرية تحسبا لمواجهة كبرى مع إيران. وأكد مسؤول إسرائيلي ـ طلب عدم كشف اسمه ـ أن التدريبات الإسرائيلية حصلت فعلا، وأنها اشتملت على مناورات ضخمة ضمت عشرات المقاتلات, وأن معظم الدلائل تشير إلى أنها موجهة إلى إيران نظرا للمسافة الكبيرة والبعيدة التي قطعتها تلك الطائرات في مناوراتها. في حين استبعد مسؤول إسرائيلي آخر أن يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بأكثر من ضربة جوية واحدة للمنشآت النووية الإيرانية، حيث يرى الخبراء أنها تحتاج إلى ألف طلعة جوية لتدميرها. وأضاف أن 100 طائرة كافية لشن غارة، لكنها لا تكفي للتعامل بشكل نهائي مع القدرات النووية الإيرانية، ولهذا فإن إسرائيل لن تُقدم على هذا العمل بمفردها إلا إذا سُدت كل الطرق أمامها.
ويوضح الخبير الأمريكي، سام جاردينر، أن المنشآت النووية الإيرانية بعيدة ومتناثرة ومحصنة، ومن الصعب على إسرائيل بمفردها تدميرها. ولذلك هناك حاجة إلى دور عسكري أمريكي، في شن ضربة تدميرية شاملة، على نقيض الضربة الإسرائيلية التي تهدف إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني فقط. أما الخبيران الاستراتيجيان ويتني راس وأوستن لونج فيعتقدان أن الطيران الإسرائيلي قادر على مهاجمة أهداف نووية إيرانية محددة والإضرار بها, وأن العملية الجوية ضد إيران لن تكون أكثر خطورة من العملية التي نفذتها إسرائيل ضد مفاعل تموز العراقي عام 1981، وسيكون من شأنها تعطيل القدرات الإيرانية على تطوير أسلحة نووية.
رغم كل هذا الصخب، فإننا لأسباب موضوعية سنأتي على ذكرها لاحقا، لا نسلم بإمكانية قيام هجوم شامل على إيران، في هذه المرحلة، على الأقل. إن البديل عن ذلك، في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة، وأوضاع الأمريكيين والإسرائيليين، لن تتعدى شن حرب محدودة، يشنها كما أسلف بنا القول في الحديث السابق، الكيان الصهيوني، يمكن أن نطلق على هذه العملية مجازا ''حرب تحريك''.
وحرب التحريك هي مفهوم دخل في القاموس العربي، كمصطلح سياسي إثر حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973, ففي تلك الحرب عبرت القوات المصرية عدة كيلو مترات شرق القناة، وتوقفت بعد ذلك مباشرة، فيما أطلق عليها بالوقفة التعبوية. والوقفة التعبوية عادة تستخدم بمدلولات عسكرية واستراتيجية، تتيح للقادة العسكريين تقييم الموقف وتوفير مستلزمات الإجهاز على الخصم من عدة وعتاد، لكنها في حرب تشرين الأول (أكتوبر) أخذت مدلولا سياسيا وليس عسكريا.
وكان من نتيجة الوقفة التعبوية، وحالة الاسترخاء التي ارتبطت بها، أن تمكن أرييل شارون من إحداث ثغرة الدفرسوار، والتوجه بكتيبة دبابات إسرائيلية إلى غرب القناة، ومحاصرة الجيش المصري الثالث، شرق القناة.
لقد تكشف لاحقا أن الحرب برمتها هدفت إلى كسر الجمود المتمثل في حالة اللاسلم واللاحرب، وأن المراد منها هو أن تمثل انتقالا استراتيجيا، ليس فقط في التوجه إلى التفاوض السلمي مع الصهاينة، لكن أيضا في تغيير خريطة التحالفات الدولية والإقليمية، حيث أصبحت بعدها مجمل ''أوراق اللعبة'' في يد إدارة الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، ومستشاره لشؤون الأمن القومي، ووزير خارجيته لاحقا، هنري كيسنجر. ونتج عن تلك الحرب المحدودة إعادة تنشيط التحرك السياسي، وفصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية، ومن ثم تحقيق فك ارتباط آخر على الجبهة المصرية، والمضي قدما بالعملية السلمية حتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978.
إذن فحرب التحريك، هي عملية عسكرية محدودة تتيح الفرصة للأطراف الدولية للدخول على الخط، وتوجيه المفاوضات بدرجات متفاوتة، تبعا لأوراق الضغط المتاحة، لدى أطراف الصراع. ومن المفترض أن يؤدي تدخل هذه الأطراف إلى انفراج الموقف، وربما تسهم في تغيير خريطة التحالفات، وخلق معادلات جديدة سياسية نقيضة لتلك التي كانت سائدة قبل إطلاق شرارة الحرب.
هذه المقدمة تقودنا إلى الصخب الدائر الآن حول البرنامج النووي الإيراني، الذي تناولنا بعضه في صدر الحديث. وأمام الصعوبات التي تحول دون قيام الإدارة الأمريكية بمهاجمة إيران، وناقشنا بعضها في الحديث السابق، يبقى السؤال قائما عن الخيارات البديلة، أو السيناريوهات التي يمكن أن تلجأ إليها الإدارة الأمريكية، لكبح جماح الطموحات النووية الإيرانية، وما الأوراق التي في حوزة الإدارة الأمريكية إن هي قررت الإقدام على ارتكاب مغامرة عسكرية.
وإذا أجزنا لأنفسنا أن نبدأ من النهاية، فإن الذي لا شك فيه أن أهم ورقة تملكها الإدارة الأمريكية هي قدرتها على إلحاق تدمير شامل بالبنية التحتية لإيران، وإعادتها إلى العصر الحجري، بنفس العنف و''صدمة الرعب'' اللذين جرى تطبيقهما في العراق, لكن ذلك، على كل حال، ينبغي ألا يؤخذ بشكل مطلق. فنحن لسنا إزاء حرب عالمية. ومع القناعة بأن القوى الصغرى لا تستطيع في الغالب حسم الحرب عسكريا لمصلحتها، ولكن مقاومتها وردود أفعالها قد تكفلت فيما مضى، وربما تتكفل في المستقبل بإلحاق هزائم سياسية بالخصم. وإذا ما حدثت الحرب فليس من السهل على أحد التنبؤ بنهايتها.
وبالتأكيد، ومن منطلق براجماتي وعملياتي، لن تقبل القيادة الإيرانية أن تضع نفسها في مواجهة عسكرية خاسرة مع الأمريكيين، بعد تجربة مريرة من الحرب مع العراق، استمرت ثماني سنوات، وبعد أن عملت بقوة على استعادة مكانتها الإقليمية خلال العقدين الماضيين. إن الجمهورية الإسلامية، تعي جيدا لعبة الخطوط، ولن تتجاوز أبدا الخطوط الحمراء، لأن تكلفة ذلك ستكون كبيرة جدا، تشمل تدمير البنية التحتية الإيرانية، ودخول المنطقة بأسرها في لجة يصعب الخروج منها. وهو أمر بالتأكيد ليس في مصلحة أحد، بما في ذلك إيران نفسها. وإذن فالتلويح بالحرب من قبل الإدارة الأمريكية هو أكبر ورقة ضغط في مواجهة إيران، ولا بد أن الأخيرة تتعامل معها بجدية، رغم كل الأسباب والعوامل التي تشل صنع القرار بالمبادرة في شن الحرب على الجمهورية الإسلامية.
في كل الأحوال، ونظريا على الأقل، فإن الحروب تشن في العادة لتحقيق أهداف يستحيل إنجازها دون اللجوء إلى السلاح، بمعنى أدق أن الحرب هي شكل آخر من أشكال المفاوضات من أجل تحقيق أهداف معينة وواضحة, وأن الغاية من الحرب تنتفي حين يقرر أحد الأطراف التنازل عن موقفه. في هذه الحالة فإن الخيارات المطروحة هي أن تتراجع إيران عن إصرارها على المضي في برنامجها النووي، مقابل محفزات يقدمها ''المجتمع الدولي''، وهو خيار موضوع فعلا على الطاولة، أو تقبل الإدارة الأمريكية بتسوية يتمكن الإيرانيون من خلالها من مواصلة طموحاتهم النووية، مع ضمان اقتصار استخدام المفاعلات على الأغراض السلمية. وبالنسبة للكيان الصهيوني، فلن يتصرف خارج إطار السياسة المعلنة للإدارة الأمريكية، وسيلتزم بأية تسوية يقبل بها الأمريكيون.
وإذا ما استنفدت محاولات الوصول إلى تسوية يقبل بها مختلف الغرماء، وأصبح سيناريو التوصل إلى حل سلمي مغيبا، فإن موضوع الحرب يطرح جديا وبحدة. إلا أن مناقشة خيار الحرب شيء، وخوض الحرب شيء آخر, فالمناقشة تعني أن هذا الخيار أصبح فرضية مفتوحة وقابلة للنقاش والأخذ والرد، لكن الأخذ بهذه الفرضية لن يتم إلا بعد توافر كل المعطيات التي تدعم الاحتكام إلى هذا الخيار، وفي المقدمة من ذلك ضمان تحقيق الهدف الرئيس من الحرب. وفي هذا السياق، ليس من المهم النجاح في تنفيذ الضربة الأولى، دون الأخذ في الاعتبار، قدرة الطرف المعتدى عليه على استيعاب الضربة، وأكثر من ذلك التحسب لردود الفعل، أو الأفعال الإيرانية بعد تلقي الضربة. والأهم أن يهتم جميع الفرقاء ليس فقط بأوراق الضغط التي يمتلكونها، لكن بتلك الأوراق التي يمتلكها غريمهم، أو غرماؤهم، وكيفية استثمار تلك الأوراق.
إن موقف إيران تجاه مسألة الملف النووي، لن يكون مرهونا بقدرتها على مواجهة الضغوط الدولية والتهديد الأمريكي باستخدام القوة فحسب، بل لا بد من الأخذ في الاعتبار الحراك السياسي الإصلاحي في إيران. إن تراجع هذا الحراك من شأنه أن يوفر أرضية لسياسات أكثر براجماتية داخل إدارة الجمهورية الإسلامية، بما يجعل من التوصل إلى حل سلمي أمرا ممكنا. أما في حالة استمرار تصعيد الإصلاحيين حراكهم، فإن القيادة الإيرانية ستكون مضطرة، إلى تصدير أزمتها إلى الخارج، وتبني سياسات متشددة، توحد الإيرانيين خلفها من أجل مواجهة العدو المشترك. ذلك هو ما ستفصح عنه الأسابيع أو الشهور القليلة المقبلة.
سيكون الوضع الشعبي الإيراني متضامنا مع الدولة في حالة حدوث مواجهة عسكرية، وستكون الأزمة عاملا توحيديا للإيرانيين، تسهم في تهميش أقطاب المعارضة السياسية وعزلها أثناء تداعيات الأوضاع، وربما تستغل الحكومة تداعيات الحرب لتصفية حساباتها مع خصومها في ظل استعار قومي وحماس ديني، يوفران لها مستلزمات ذلك. لكن الأزمة السياسية في إيران عميقة جدا وستطل برأسها بقوة بعد انقشاع العاصفة، وهي أزمة, كما نعلم جميعا, مركبة ومعقدة وذات جذور عميقة، لن يكون بالإمكان تجاوزها أبدا إلا من خلال إعادة هيكلة جذرية للأوضاع، وإعادة الاعتبار، لدولة الدستور والقانون والمؤسسات، بمفاهيمها المعروفة، وتأسيس الدولة الحديثة على أسس تعاقدية.
إن الأمور لن تتجه سريعا نحو الحرب، دون تهيئة مستلزمات ذلك. فليس من شك في أن الإدارة الأمريكية تدرك عمق مأزقها الحقيقي في أفغانستان والعراق، وأنها فعلا أصبحت رهينة في البلدين المحتلين، بما يهددها في صميم أمنها القومي، ويجعلها عاجزة تماما عن الدخول في أية مواجهة عسكرية أخرى. وليس من شك في قوة حضور إيران الميداني والسياسي والعسكري والعقدي فيما بين النهرين.
ومن جانب آخر، لن يتمكن الكيان الصهيوني من عمل شيء جدي ضد إيران قبل معالجة المعوقات اللوجستية، وهي كثيرة. وأيضا تحييد الجبهتين السورية واللبنانية ومنع حزب الله من شن عمليات ضده. وأثبت الأخير قدرته وفاعليته في حرب تموز (يوليو) عام 2006، التي شنها الإسرائيليون على جنوب لبنان. وتشير تقارير عديدة إلى أن حزب الله عوض عن خسائره من السلاح الذي فقده في تلك الحرب، وأنه تلقى أسلحة بتقنيات عالية من إيران. وكما كان قادرا في عام 2006 على إلحاق الأذى بالمدن الواقعة في شمال فلسطين، بما في ذلك حيفا والناصرة وتل أبيب، فضلا عن المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية، فإنه سيكون أكثر قدرة على إلحاق الأذى بالكيان العبري، في حالة نشوب حرب بين إسرائيل وإيران. إن تحييد الأوراق الإيرانية يتطلب إعادة ترتيب أوضاع الأمريكيين في حوض البحر الأبيض المتوسط، إما من خلال الإخضاع أو التأهيل للقيادة السورية وحزب الله اللبناني على السواء. وقد تعرضنا لذلك، في موضوعنا ''المنطقة العربية.. مرحلة الأزمات المفتوحة''، المنشور في هذه الصحيفة في 26 أيار (مايو) 2010.
كيف سيتم رسم الصورة البانورامية عن الخيار الأكثر احتمالا للتعامل مع المعوقات التي تواجه تعامل الغرماء مع الملف الإيراني؟، وما النهايات المتوقعة للمواجهة؟ ذلك ما سنتناوله في حديثنا المقبل ـ بإذن الله.
