أوضاعنا الصحية, وبالأحرى مرافقنا الصحية, تحتاج إلى عملية جراحية لإنقاذها من حالة الاختناق المميتة، عملية تعتمد على رؤية ثاقبة، كرؤية خادم الحرمين الشريفين التي أخرجت مرافق تعليمنا العالي من ضيق الاستيعاب إلى سعته, ومن الانطواء المحلي إلى المنافسة العالمية.
قبل فترة وجيزة عقد الحوار الوطني إحدى جلساته في منطقة نجران ضمن لقاءات عدة للتحاور حول أسباب تدني خدماتنا الصحية. والحقيقة أن المتابع لجلسات هذا الحوار يتفاءل من حيث ما تناولته محاوره من موضوعات، إضافة إلى شفافية الطرح, هذا إلى جانب قدرة المنظمين على الإدارة المتميزة، إلا أنه في الوقت نفسه ينتابه شيء من التشاؤم حول تفعيل مخرجات هذه الندوات. لن أتحدث عن مخرجات الحوار وعلاقتها بالبرامج التطويرية للجهات التنفيذية, ولا سيما الخدمية منها، لكنني سأستثمر فتح المجال للتحاور حول أوضاع مرافقنا الصحية لأعرض حالة عشتها وتعايشت معها عكست لي المستوى المحرج الذي وصلت إليه خدماتنا الصحية, فقد كنت أسمع كثيراً عن الصعوبات التي يعانيها المراجعون لمستشفياتنا الحكومية الكبرى, وما يواجهونه من قوائم الانتظار, التي تشابه في حجمها وحركتها دولابا كبيراً يدور حول محوره بحركة بطيئة جداً، والمرضى منهم من ينفذ بعلاقاته من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله فيستمتع وينعم بخدمات صحية لا تضاهى، ومنهم من يبقى متشبثا به حتى يفتك به المرض فتسقطه يد الردى أو يبلغ منه المرض مبلغاً قوياً يصعب معه شفاؤه منه، بينما ثلة قليلة تأخذ دورها بعد صبر تتفطر منه الكبود، أما البقية الباقية فتلجأ إلى مستشفيات القطاع الخاص التي تكبد المريض التكاليف الباهظة للعلاج، إضافة إلى القلق من التدني ـ في أغلبية الحالات ـ في مستوى العلاج, ولا سيما في الجانب التشخيصي منه.
أقول كنت أسمع بهذا، لكنني كنت أظن أنه مقتصر إلى حد كبير على مرضى العيادات الخارجية أو الحالات غير الطارئة والحرجة, فالحالات الطارئة يجب علينا جميعا التعاون والتدخل السريع لإنقاذها, ولا سيما من يتعرضون لحوادث مرورية خطيرة ينتج منها إصابات بليغة ربما تعرض أرواحهم للهلاك، بيد أنني عشت وعلى مدى أسبوع كامل حالة إنسانية كانت بمثابة الصعقة الكهربائية لي جعلتني أطلع عن كثب على الوضع المحرج لحجم الاستيعاب في مرافقنا الصحية الكبرى, وهو وضع ينذر بوقوع أزمة خانقة لو لم يتم التدخل السريع لحلها. فلكم أن تتخيلوا ما ردة فعل ذوي مريض أو مصاب يرونه يعاني الأمرين وهم عاجزون عن تقديم ما يجب عمله تجاهه، ليس لتعاطف وتقدير المسؤولين لحالته، بل لعدم وجود سعة تستوعبه في مستشفياتنا الحكومية المؤهلة للتعامل مع مثل حالته.
الحالة التي عشتها تتمثل في تعرض قريب لي الخميس الموافق 3/11/1430هـ لحادث مروري مروع في محافظة شقراء، نتج منه إصابته بكسور عدة أدخلته في حالة إغماء، نقل على أثرها إلى العناية المركزة في مستشفى المحافظة العام الذي قام طاقماه الطبي والإداري ـ مشكورين ـ وعلى رأسهم المدير العام بكل ما في وسعهم عمله، حيث إن حالة المصاب تتطلب تدخلا جراحيا عاجلا, ولمحدودية قدرات مستشفى المحافظة، فقد تم طلب نقله إلى أحد المستشفيات الحكومية الكبرى في الرياض لوجود ملفه الصحي فيه, وهنا بدأ الماراثون المأساوي, فحالة المريض تتطلب النقل بطائرات الإخلاء الطبي والحادث وقع في عطلة نهاية الأسبوع والطائرات تتطلب موافقة قيادات عليا, عندها بدأنا في الاتصالات وطلب الفزعة ممن نعرف ومما لا نعرف.
لا أطيل عليكم فقد صدرت الموافقة بعد يومين بالنقل، لكننا اصطدمنا بصخرة يضعها القائمون على المستشفيات الحكومية في الرياض تتمثل في عدم وجود سرير, وبالتالي لا قيمة لموافقة النقل الصادرة استناداً إلى تعليمات سامية كريمة. هذه المأساة دفعتنا إلى البحث عن مخرج, فتم نقله بسيارة مستشفى المحافظة إلى أحد أكبر المستشفيات الخاصة في مدينة الرياض على حساب وزارة الصحة وأدخل على الفور العناية المركزة وشعرنا بالارتياح والطمأنينة وشكرنا الله .. ثم كل من أسهم في عملية النقل، لكننا اكتشفنا بعد مضي ثلاثة أيام أن المستشفى الخاص غير قادر على إجراء معظم العمليات الجراحية التي يتطلبها المريض. عندها بدأت المعاناة من جديد وبدأ ناقوس الخطر يدق, لأن المريض مضى على حادثه ستة أيام وبدأ القلق يدب في قلوبنا خوفاً من تعرضه لغرغرينة في الأطراف السفلية. عرضنا الأمر على أمير منطقة الرياض فعمد ـ حفظه الله ـ مستشفى آخر بنقله وعلاجه، لكن المستشفى اعتذر بسبب عدم وجود سرير أيضاً.
وأصبحنا نقف حيرى ماذا نعمل؟ فالقيادات العليا أصدرت توجيهاتها والمسؤولون التنفيذيون يرفضونها بحجج لا نعرف حقيقتها. أتدرون ماذا عملنا؟ قمنا بركوب أكبر الصعاب، حيث قمنا بنقله على مسؤولياتنا مع إدراكنا حجم المخاطرة التي نفذناها وأدخلناه طوارئ المستشفى الذي يوجد له ملف فيه وتركناهم أمام الأمر الواقع. وفي الحقيقة أن الطاقم الإداري الموجود في مركز الطوارئ في ذلك المستشفى قام مشكوراً بالتوجيه بالتعامل مع المريض، رغم أن أحد الأطباء أبدى رفضه, وإنني لأتعجب كيف يتماشى هذا التصرف من ذلك الطبيب ومهنة الطب، فالمريض في حالة خطيرة ومن المسجلين في المستشفى وله ملف طبي ومنقول تنفيذا لمقتضى موافقة صادرة بنقله.
هذه هي القصة بشكل مختصر وطبقاً لما عايشت وسمعت, فهي ليست حالة نواجهها نحن فقط، بل معاناة يواجهها كل من حالة مريضه مثل حالة مريضنا فيما عدا من يستطيع النفاذ من دالوب الانتظار! ولقد تلقى علاجه بشكل جيد وأجريت له العمليات المطلوبة وهو يتماثل الآن للشفاء ـ ولله الحمد. وفي الواقع إنني لا ألوم أحدا بعينه في الإدارات التنفيذية، فعدد المرضى فيما يبدو أكثر من الطاقة الاستيعابية المتاحة للمستشفيات الكبرى, لكن بعض الحالات لا ينفع معها التأجيل، بيد أنني أوجه اللوم إلى من يتولون التخطيط الاستراتيجي لمرافقنا الصحية, فلماذا التركيز على مستشفيات العاصمة فقط؟ لماذا لا يكون هناك مستشفى مؤهل في كل منطقة, ولا سيما مدن الأطراف؟ لماذا تكون طائرات الإخلاء الطبي مركزية التوزيع؟ إن أوضاعنا الصحية وبالأحرى مرافقنا الصحية تحتاج إلى عملية جراحية لإنقاذها من حالة الاختناق المميتة، عملية تعتمد على رؤية ثاقبة، كرؤية خادم الحرمين الشريفين التي أخرجت مرافق تعليمنا العالي من ضيق الاستيعاب إلى سعته, ومن الانطواء المحلي إلى المنافسة العالمية، فقبل بضع سنوات عندما كان عدد جامعاتنا لا يزيد على سبع جامعات، جميعنا مر بشكل أو بآخر حين ذاك بمعاناة قبول طالب أو طالبة، لكن رؤية وإرادة عبد الله بن عبد العزيز أنقذت الموقف مما نتج عنها فتح عديد من الجامعات في عدد من المدن, ولا سيما مدن الأطراف، إضافة إلى برنامج الابتعاث الخارجي، الأمر الذي فقدنا معه الصراخ الذي كنا نسمعه كل سنة عند فترات التسجيل في الجامعات. إن أوضاع مستشفياتنا الحكومية الكبرى الحالي يذكرني بأوضاع جامعاتنا آنذاك.
أعرف أن هناك دراسة استراتيجية صحية تدور بين وزارة الصحة وأروقة مجلس الشورى وجهات أخرى تعتمد على خصخصة القطاع الصحي والتأمين على المواطن والمقيم بحيث يتلقى علاجه في أي مستشفى. وما أخشاه أن تمر هذه الاستراتيجية بما تمر به استراتيجية معالجة الفقر .
الوضع الصحي يحتاج إلى تعزيز قدرات وطاقات مستشفيات مدن المناطق والمحافظات وتخفيف الضغط القاتل عن المستشفيات الحكومية المركزية, ومن الضروري إيجاد عدد من طائرات الإخلاء الطبي التابعة لتلك المستشفيات يحركها مديرو تلك المستشفيات بناء على تقدير الأطباء المختصين في تلك المستشفيات على أن يتولى إدارة هذه الأساطيل شركات متخصصة. في الدول المتقدمة ـ وعلى سبيل المثال ـ في كندا تتحرك طائرة الإخلاء بموافقة طبيب مقيم, ولدينا تتحرك الطائرة في معظم الأحيان بعد فوات الأوان. إضافة إلى ضرورة وجود مركز تنسيق تتوافر فيه كل البيانات عن الطاقة الاستيعابية لجميع المستشفيات يحدث آلياً على مدار الساعة، هذا إلى جانب سن أنظمة تكفل التعاون ومعاقبة المخالفين والمتلكئين، فعلاج المواطن حق مكتسب لا منة لأحد فيه, ولا سيما عندما يكون في ظروف صحية حرجة, وقيادتنا الرشيدة تؤكد ذلك دائماً, وهو ما لمسناه بحق. أخيرا.. أعتقد أننا في حاجة إلى خطة إنقاذ عاجلة لمرافقنا الصحية لا تتعارض مع استراتيجية وزارة الصحة, بل ربما تسهم إيجاباً في عملية تقييم تلك المرافق عند البدء في خصخصتها, وخير دليل على ذلك قيمة أصول شركة الاتصالات السعودية بعد التخصيص. إن مرافقنا الصحية الكبرى تختنق فهل من منقذ؟ هذا ما سيكشفه لنا المستقبل. والسلام.
