في برلين وأثناء الزيارة التي قام بها الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض لجمهورية ألمانيا الاتحادية، قدّم ممثلو عدد من الشركات الألمانية عروضاً عن المشاريع التي تنفذها شركاتهم في المملكة، ومنها عرض قدّمته إحدى الشركات الألمانية عن مشروع كلية الطب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وتضمن العرض شرحاً لما يحويه المشروع من مرافق، ومراحل تنفيذ المشروع.
أثناء متابعتي ذلك العرض عاد بي الذهن إلى عشر سنوات قضيتها في جامعة الإمام طالباً في المراحل الثلاث المتوسطة والثانوية والجامعية، وتذكرت كثيراً من الأحداث التي مرت بي، من بينها ما عاصرته من مقررات كانت تفرض في سنة ثم تحذف في سنة أخرى، بعد أن ينجح فيها مَن ينجح ويعيد السنة بسببها مَن يعيد، ومنها ما كانت تتميز به الجامعة من نشاط لا صفي برز من خلاله عدد كبير من طلاب الجامعة.
كما تذكرت مقالا تقدم به أحد المعلمين لنشره في رسالة المعاهد العلمية وهي مجلة كانت تصدر سنوياً عن الجامعة، وتتضمن عديداً من المقالات والقصائد والدراسات والاستطلاعات التي كان يكتبها نخبة من أساتذة الجامعة وطلابها.
في ذلك الوقت كنت أتولى سكرتارية تحرير المجلة، فقدّم ذلك المعلم مقالاً عارض فيه تدريس اللغة الإنجليزية، ورأى أنها ستزاحم اللغة العربية وعلومها، ولمواجهة الحاجة إلى العلوم التي باللغة الإنجليزية رأى أن يقوم أهل تلك اللغة بترجمة تلك العلوم إلى اللغة العربية.
بين ذلك المقال وبين مشاهدة عرض الشركة المنفذة لمشروع كلية الطب في الجامعة التي ستكون اللغة الإنجليزية لغة التدريس فيها، قرابة ثلث قرن، وهي سنوات طويلة كان بالإمكان اختصارها لولا ممانعات كثيرة تقف في وجه أية خطوة للتحديث، بحيث أصبح المجتمع يُقاد إلى التحديث بقوة، بدلا من أن يسعى هو إلى التحديث، وأصبحنا نرى أموراً كثيرة نطبقها بعد أن رفضناها سنوات عديدة، ثم نكتشف أنها أمور طبيعية لا تخل بدين، وتدفع المجتمع نحو الرقي والتطور، بل نرى كثيراً ممن كانوا يعارضونها يتسابقون لتطبيقها.
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تتمتع بمناهج قوية في المجالات الشرعية وفي اللغة العربية وعلومها، ووجود كلية طب في الجامعة نقلة حضارية كبيرة وتوفر كفاءات في مجال حيوي ومهم تحتاج المملكة إلى سنوات كثيرة لتغطية الحاجة فيه، ومَن يرى ما يجري في الجامعة من حركة بناء كبيرة، وتنوع في التخصصات، يدرك أن هناك رغبة أكيدة في نقل الجامعة إلى مصاف الجامعات العريقة في تخصصات علمية مهمة، وهذا لن يتم إلا عبر احترام التخصص، والتركيز على مواده، والبُعد عن فكرة «الأخذ من كل فن بطرف» الغالبة على مناهج التعليم عندنا.
