السبت, 10 أكتوبر 2026|27 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ليعذرنا إخواننا الاقتصاديون، فسنتحدث اليوم عن المال والمعاملات المالية ليس من منظور المتخصصين الاقتصاديين، بل من وجهة نظر عامة لا تمت بصلة إلى القوانين والنظريات الاقتصادية. من المعلوم أن الاقتصاد العالمي الحديث مبني على ما يُسمى النظم الرأسمالية, والتعامل مع الرأسمالية يتطلب وجود نمو وتوسع مستمرين إلى الأبد في جميع المؤسسات التجارية والصناعية والمالية، وإذا لم تتوافر العوامل التي تُساعد على النمو انهارت تلك المؤسسات وحدث كساد عام يؤدي إلى زيادة نسبة البطالة! وإذا انتشرت البطالة وفشت في قلب المجتمع جلبت معها الفوضى والدمار الاقتصادي. ويعتمد النظام الرأسمالي على الإقراض بفوائد مُركبة من البنوك ومن المؤسسات المالية من أجل الحصول على الأموال وتكوين رأس المال اللازم لإنشاء المشاريع, التي من شروط نجاحها التوسع والنمو حتى يتمكن أصحابها من دفع الأموال المُستدانة، إضافة إلى أرباح القروض. وتقوم البنوك والمؤسسات المالية بإقراض ما تحصلوا عليه من عمليات الإقراض السابقة إلى مُستثمرين ومُقترضين جُدد، وهكذا تدور حلقة تبادل الأموال. ونود أن نفرق هنا بين نسبة النمو الاقتصادي المرتفعة التي تتطلبها نظم القروض، وربما تكون من 4 في المائة فما فوق، وبين نسب النمو التي يتطلبها النمو السكاني, وهي في حدود 1 إلى 1.5 في المائة، والأخير يكون نتاج زيادة الأيدي العاملة وتحسين الأداء.

ومن العوامل الرئيسة التي ساعدت بقوة، ولا تزال، على تهيئة مجال نمو الاقتصاد العالمي الهائل الذي تعيشه البشرية اليوم، توافر مصادر الطاقة النفطية الرخيصة خلال سنوات القرن الماضي، فبنى حضارته وصناعاته الحديثة على هذا الأساس. واليوم على العالم أن يبدأ التفكير الجدي في التحول من عصر النفط الرخيص إلى عصر بدائل الطاقة المتجددة التي سيكون من أول ضحاياها وقف النمو الاقتصادي, الذي كان الركيزة الأساسية للنظام الرأسمالي العريق. إذا توقف النمو داخل أي مؤسسة مالية كانت أو صناعية، توقف معه توفير المال اللازم لتسديد فوائد القروض وانتشرت البطالة، ناهيك عن عدم القدرة على إرجاع مبالغ الديون الأصلية، ومن ثم انهار الاقتصاد وعمت الفوضى.

 ومن الواضح أن نجاح النظام الرأسمالي يعتمد أساساً على عدم وجود أي خلل في حلقة التعامل بين الأطراف المُختلفة، بحيث تعود جميع الأموال مع أرباحها المركبة إلى المُقرِضين دون توقف ولا تأخير، وتظل العلاقات والمبادلات تتصف بالمثالية. لكن الواقع بطبيعة الحال يختلف عن هذا التصور المثالي، وهو ما نشاهده اليوم من تعذر في تطبيق كامل لنظريات النظم الرأسمالية التي بدأت تُعاني أوجاعا خطيرة ربما تقضي عليها إن لم يُتدارك الأمر وتُعاد صيغة المعاملات بحيث تتضمن عقود القروض المالية نوعاً من الضمانات العينية حتى لا تضيع حقوق المقرضين ويصبحوا ضحية لطموح الساسة الذين يبيعون مستقبل بلدانهم وشعوبهم قيمة لتمسكهم بمناصبهم. وإذا توقف المقرضون عن الإقراض المرتبط بالفوائد، انهار عمود الرأسمالية العالمية وتداعت أركانها، كما هو مُشاهد الآن في الولايات المتحدة، لولا التدخل السريع من قِبل الحكومة من أجل تفادي زيادة تدهور الوضع المالي نتيجة للمضاربات العشوائية بعيداً عن الرقابة القانونية، التي أدت إلى إفلاس عدد من المؤسسات المالية الكبيرة. ومن الطريف أن المديرين التنفيذيين لبعض تلك المؤسسات كانوا قد تقاضوا مرتباتهم ومكافآتهم الخيالية البالغة عشرات الملايين سنويا في الوقت نفسه الذي كانوا قد أعلنوا خلاله إفلاس شركاتهم، وكأن حقوق المساهمين الضائعة لا تعنيهم في شيء، مع أنهم كانوا جزءا لا يتجزأ من المشكلة, وأنهم حتماً كان لديهم علم مُسبق بما هو حاصل لحساباتهم المالية.

والأزمة المالية الحادة التي تُعانيها اليونان مثال حي لما يمكن أن تكون عليه الحال عندما يُطلق العنان للفئة التي في يدها الحكم وتُترك تتصرف دون إحساس بالمسؤولية حتى تُغرق البلاد في الديون ويوشك الاقتصاد الوطني على الانهيار، لولا الله ثم قيام المجموعة الأوروبية بتقديم دعم مالي كبير لمساعدتها على الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها سقطت في وحله. ومن المؤكد أن عليها عمل الكثير من جانبها من أجل نجاح الإجراءات الاقتصادية الصارمة التي يتطلبها وضعها الداخلي حتى تضمن نجاح خطة الإنقاذ. لكن ذلك مثال مُبسَّط لما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي ككل إذا لم يتنبه العالم لخطورة النقص المتوقع في إمدادات الطاقة خلال المرحلة الانتقالية بين الطاقة النفطية ومصادر الطاقات المتجددة. نحن نعيش وقتنا الحاضر في سباق مع الزمن لكن على غير هدى. نُصارع أزمات مالية واقتصادية، على أهميتها، لا تُقاس بما يخبئ لنا عصر ما بعد النفط. ولا نقصد هنا انتهاء ونضوب النفط، فذلك ــ إن شاء الله ــ بعد عُمر طويل، لكننا نُشير إلى مرحلة قريبة الحدوث لا نستطيع خلالها تأمين كل ما نحتاج إليه من الطاقة التي تُسيِّر نمو اقتصادنا وأمور حياتنا.

 ونود أن نُعرِّج قليلاً نحو ما نسميه الاقتصاد الإسلامي أو المعاملات المالية بموجب النظام الإسلامي. عند حدوث أي خلل في النظم الرأسمالية المبنية على القروض بفوائد ثابتة، يخرج من بيننا منْ يقول إن الحل هو التعامل بالمرابحة الإسلامية. لكنك لا تجد على أرض الواقع ما يؤيد هذا التوجه لا في بلاد المسلمين ولا في أي مكان آخر. ولو فرضنا جدلاً أننا نجحنا في إنشاء مصارف ومؤسسات مالية محلية تبني معاملاتها على أسس الشريعة الإسلامية، فهل من الممكن استيعاب جميع المعاملات المالية الدولية؟ لا شك في أن ذلك أمر مستحيل. وإذًا نعود إلى القول إن النظم المالية العالمية المرتبطة بالنظم الرأسمالية التي من ثوابت مبادئها النمو المستمر، واستمرارية النمو تتطلب وجود مصادر طاقة رخيصة، كما كان وجود النفط خلال عصره الذهبي الذي أوشك على الأفول. ومطلوب الآن من عباقرة الاقتصاد ومفكريه أن يتدبروا الأمر ويبتدعوا نظريات عملية تنقل ازدهار الاقتصاد من اعتماده على النمو كأساس لبقائه إلى طُرق أخرى تتناسب مع الظروف المستقبلية التي ستتميز بشح في مصادر الطاقة وارتفاع في تكلفتها. وسيكون هناك فارق كبير بين الأزمة المالية الحاصلة من تراكم الديون والأزمات الاقتصادية الناتجة عن قصور خطير في إمدادات الطاقة. فالحالة الأولى من الممكن مُعالجتها بضخ كمية من النقود «ولو بدون رصيد» في المصارف وبيوت المال حتى ولو أدى ذلك إلى نمو نسبة التضخم. أما في حالة حدوث نقص كبير في مصادر الطاقة، وهو ما نخشى وقوعه خلال العشر أو الـ 15 عاماً المقبلة، فهو داء لا يُمكن علاجه إلا بإيجاد مصدر جديد للطاقة وتكون تكلفته مناسبة ومعقولة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية