الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أيا كانت الآثار المترتبة على الاضطرابات السياسية في تايلاند، فإنها لن تساعد قضية الديمقراطية في الصين. ذلك أن صور المحتجين المناصرين للديمقراطية والحملة العسكرية اللاحقة في وسط مدينة بانكوك كانت تظهر بكل وضوح في أجهزة الإعلام الصينية من دون أي تحيز ملحوظ. والواقع أنه لا توجد حاجة إلى تجميل الرسالة السياسية الموجهة إلى الصين.

فإذا كان من الوارد أن ينزلق ذلك البلد المتدين الأرغد عيشاً نسبياً, الذي اشتهر بأرض الابتسامات إلى حرب طبقية دموية، فما الذي قد يحدث إذا فقد الحزب الشيوعي الصيني احتكاره السلطة؟ ليس من الصعب أن نتخيل تمرداً للقمصان الحُمر على الطريقة الصينية، حيث يلعب الزعماء الشعوبيون على وتر استياء وحماس الشباب الذين يضرمون النار في رموز السلطة والامتياز في بكين. وإذا أدت الديمقراطية متعددة الأحزاب إلى نشوء كتل انتخابية عنيفة وغير مستعدة للتنازل، فإن أكثر الناس حكمة سيفضلون حكم الحزب الواحد الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي.

لكن سيكون من قبيل الخطأ الفادح, رغم ذلك, أن تتعامل الحكومة الصينية مع الأحداث التي تشهدها تايلاند كذريعة لتأجيل الإصلاح السياسي. إن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تكاد تكون متماثلة في البلدين، وهناك عشرات الآلاف من الاضطرابات الطبقية ''غير القانونية'' التي تشهدها الصين كل عام.

والواقع أن الحكومة الصينية تعمل على تعزيز الرفاهية الاجتماعية في الريف، لكن يتعين عليها أيضاً أن تعطي أصحاب المظالم الاجتماعية مزيدا من القدرة على التعبير عن هذه المظالم. وهذا يتطلب مزيدا من تمثيل المزارعين والعمال في مجلس نواب الشعب الوطني والأجهزة التشريعية المحلية، ومنح المنظمات المدنية مزيدا من الحرية حتى تتمكن من العمل لمصلحة البيئة وهؤلاء الذين لا يستفيدون من الإصلاح الاقتصادي.

لكن هل تستطيع الصين أن تنفتح من دون سلوك طريق الحكم متعدد الأحزاب؟ كان المفكر السياسي البريطاني العظيم جون ستيوارت مِل في القرن الـ 19 يميل إلى مناصرة الحكومات الليبرالية, لكن من دون الحكم متعدد الأحزاب. وفي كتابه الكلاسيكي بعنوان ''اعتبارات حول الحكومة التمثيلية''، ذهب إلى إدانة ''الشعارات الحزبية''. في أي بلد ديمقراطي، من الأرجح أن يتألف حزب الأغلبية من هؤلاء ''الذين يتشبثون بأعظم قدر من العناد بالمصالح الطبقية المقتصرة على فئة معينة من الناس''.

وبدلاً من سياسة التعددية الحزبية، كان مِل يفضل الانتخابات الديمقراطية المقيدة بآليات مثل منح أصوات إضافية للمتعلمين، والآليات المؤسسية اللازمة لحماية حقوق الأقليات. وطبقاً لوجهة نظر مِل فإن المجتمع المفتوح الذي يحكمه أهل النخبة المتعلمة فقط يمثل الشكل الأكثر جاذبية من أشكال الحكم.

وعلى نحو مماثل، كانت التقاليد الكونفوشيوسية تؤكد باستمرار قيمة الجدارة السياسية. وكان كونفوشيوس ذاته يؤكد أن كل شخص لابد أن يحصل على فرصة متساوية في التعليم. لكن لا أحد يستطيع أن يزعم أن الجميع يتمتعون بقدرات متساوية حين يتعلق الأمر بإصدار أحكام أخلاقية وسياسية مبنية على الاطلاع. وعلى هذا فإن إحدى المهام الخطيرة المنوطة بالعملية السياسية تتلخص في اختيار هؤلاء الذين يتمتعون بقدرات وأخلاقيات أعلى من المتوسط. وفي تاريخ الصين اللاحق ترسخت فكرة الجدارة على المستوى المؤسسي من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورية.

إن أنصار الكونفوشيوسية لا يعارضون الديمقراطية الانتخابية، لكنهم يزعمون أنها لا بد أن تكون مقيدة بزعماء سياسيين مختارين على أساس الجدارة، ويسهرون على رعاية مصالح غير الناخبين. والأنظمة الديمقراطية قادرة على القيام بمهمتها على خير ما يرام من خلال تمثيل مصالح الناخبين، لكن لا أحد يمثل مصالح غير الناخبين ـ بما في ذلك أجيال المستقبل والأجانب (ولنتأمل هنا مسألة الانحباس الحراري العالمي) ـ الذين يتأثرون بالسياسات التي تنتهجها الحكومة. وهذه المهمة لا بد أن توكل إلى أهل النخبة المختارين على أساس الجدارة.

والواقع أن الحزب الشيوعي الصيني يكتسب مزيدا من أسباب الجدارة, فمنذ ثمانينيات القرن الـ 20، أصبحت نسبة متزايدة من كوادر الحزب الجديد حاصلة على درجات جامعية، وأصبحت ترقيات الكوادر تعتمد جزئياً على اجتياز امتحانات معينة, لكن اختيار النخبة المتعلمة لا يشكل إلا جزءاً من المعادلة.

من المفترض أيضاً في أهل النخبة أن يعملوا لمصلحة الجميع، وأن يسمحوا لأصواتهم بأن تُسمَع. وفي الممارسة العملية فإن هذا يعني وجود نظام أكثر انفتاحاً وتمثيلاً لمختلف فئات المواطنين، لكنه ليس بالضرورة نظاما سياسيا قائما على التعددية الحزبية.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية