إن البراكين تخلف عواقب وخيمة عادة ـ وأنا لا أقصد هنا الفوضى التي لحقت بالسفر الجوي بسبب اندلاع بركان آيسلندا، الذي يتعذر النطق باسمه، (والمعروف بين أوساط وزارة الدفاع الأمريكية بالرمز15 - E). في عام 1783 قذف بركان في آيسلندا كميات هائلة من الرماد إلى الغلاف الجوي، حتى إن درجات الحرارة في نصف الكرة الأرضية الشمالي بالكامل سجلت هبوطاً حاداً لمدة تقرب من ثلاثة أعوام. ولقد أسفر هذا عن تلف المحاصيل وانتشار المجاعات، حتى إن بعض المؤرخين زعموا أن ذلك الحدث ساعد على التعجيل بقيام الثورة الفرنسية.
لكن هل يعني هذا أن ثورة بركان آيسلندا عام 2010 كانت مسؤولة عن اندلاع ''الثورة البريطانية''؟ لا شك أن زعماً كهذا سيكون من قبيل المبالغة. لكن الاتفاق الذي تم بين المحافظين والديمقراطيين الليبراليين على تشكيل حكومة ائتلاف يُعَد في نظر عديد من الناخبين البريطانيين ثورة كبرى. في لندن تبدو بعض ترتيبات الحكم, التي تعدها بلدان أخرى من الأمور المسلم بها, أنماطاً جديدة تماماً من السياسة.
لقد انتهت الانتخابات إلى نتيجة غير حاسمة، حتى مع أن حزب المحافظين حصل على 7 في المائة من الأصوات الشعبية زيادة على ما حصل عليه صاحب المرتبة الثانية حزب العمال. والواقع أن الفشل في تحقيق المساواة في أعداد الناخبين بين الدوائر الانتخابية المختلفة لم يكن في مصلحة الحزب الفائز على الإطلاق، حيث يتطلب الأمر عدداً أكبر من الأصوات لإرسال نائب محافظ إلى البرلمان مقارنة بالعدد المطلوب لإرسال نائب من حزب العمال إلى البرلمان.
لكن التحالف الذي انتهت إليه المفاوضات بين المحافظين تحت زعامة ديفيد كاميرون وصاحب المرتبة الثالثة حزب الديمقراطيين الليبراليين (الذي من المفترض أن يعطي الحكومة أغلبية مريحة في البرلمان) ليس جديداً إلى الحد الذي يصوره بعض الناس.
ففي الأعوام الأخيرة من القرن الـ 19, والنصف الأول من القرن الـ 20، كانت الحكومات الائتلافية شائعة في بريطانيا. ولم تصبح القاعدة وصول حكومة حزب واحد إلى الحكم إلا في الأعوام التي تلت الحرب العالمية الثانية، وذلك على الرغم من التحالف غير الرسمي بين العمال والليبراليين في سبعينيات القرن الـ 20. هناك مقولة شهيرة لرئيس الوزراء بنجامين دزرائيلي من القرن الـ 19: ''إن بريطانيا لا تحب التحالفات''. ورغم أنه من السابق لأوانه أن نصدر الأحكام الآن، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن البريطانيين يحبون على الأقل مظهر التحالف الحالي والغرض منه.
لكن هل من الممكن أن يدوم هذا الافتتان؟
على الصعيد المحلي، يميل المحافظون والليبراليون إلى الخلاف الشديد فيما بينهما. ويرجع هذا جزئياً إلى أن الليبراليين كانوا يعتمدون في ازدهارهم عادة على انتزاع المقاعد من المحافظين كلما تدنت شعبية الإدارات المحافظة. والمحافظون من جانبهم يرون أن الليبراليين يجمعون بين النفاق السياسي والتكتيكات الانتخابية المتعصبة.
وهناك فضلاً عن ذلك اختلافات سياسية جوهرية بين الحزبين، حيث يضع الليبراليون الإصلاح السياسي على رأس أجندتهم، من أجل ترسيخ نظام انتخابي يناسبهم على نحو أفضل.
وعلى الرغم من كل هذا فقد تم التزاوج بين الحزبين، حيث أقدم زعيما الحزبين اللذان يتمتعان بالذكاء والجاذبية ويتسمان بالتقارب الاجتماعي ـ ديفيد كاميرون ونِك كليج ـ على خوض مجازفة جريئة يتوقف النجاح فيها على قدرتهما على الترويج لهذا الاستعراض الجديد وإبقائه على المسار السليم.
ولقد وافق كاميرون وكليج، في إبداع دستوري جديد، على دوام التحالف لخمسة أعوام كاملة حتى يحين موعد الانتخابات المقبلة. ولقد توصلا إلى أرضية مشتركة تشتمل على تبادل الأخذ والعطاء بين الجانبين. فقد أخذ الليبراليون خمسة مقاعد في مجلس الوزراء، وأكثر من ذلك في المراتب الوزارية الأدنى. كما وافق المحافظون على عقد استفتاء حول إذا ما كان يتعين على بريطانيا أن تغير نظامها الانتخابي الحالي الذي يقوم على فوز أول من يحصل على عدد كاف من الأصوات إلى نظام التصويت الاختياري.
وبالنسبة لكل من الحزبين فإن المبرر الأكبر وراء هذه الشجاعة السياسية غير التقليدية يكمن في حجم المشكلات الاقتصادية التي تواجهها بريطانيا. والواقع أن الائتلاف الليبرالي المحافظ يرث أسوأ تركة اقتصادية منذ الحرب، في ظل الثغرة الهائلة في التمويل العام التي أصبحت تبدو وكأنها تتعمق وتتسع على نحو متواصل مع حصول الوزراء الجدد على الفرصة لتفقد الأمور بأنفسهم.
كان ليام بيرن، وزير ميزانية حكومة العمال المنتهية ولايته، قد ترك رسالة لخلفه يقول فيها: ''أخشى أنك لن تجد أي نقود. تحياتي وتمنياتي بالتوفيق''. كان من المفترض أن تكون هذه الرسالة من قبيل المزاح، لكن لا أظن أننا قد نسمع الضحكات حين يتم خفض البرامج العامة شبه المقدسة، وتقليص استحقاقات الضمان الاجتماعي، وزيادة الضرائب.
وستحتاج أسواق السندات إلى إجراء سريع وفاعل. لذا فإن الحكومة الجديدة لن تجد بديلاً غير الشروع في تنفيذ المهمة الثقيلة الطويلة الأمد المتمثلة في تدبير الموارد المالية للدولة وتحقيق الفائض. والدرس الذي يتعين على حكومات أخرى أن تستقيه من هذا واضح: إن كنت تريد أن تتصرف باستقلال فلا تقيد يديك بنفسك.
ومن وجهة نظر المحافظين هناك الكثير الذي ينبغي أن يقال فيما يتصل بتقاسم المسؤولية حول ما ينبغي أن يفعل. وفي الوقت نفسه هناك فرصة سانحة أمام الليبراليين لإثبات قدرتهم على تولي زمام الحكم.
لكن بمرور الشهور فربما يدرك كل من الحزبين أن الصعوبة السياسية الأعظم التي يواجهها تتمثل في التعامل مع المجموعات المهمشة في معسكره ـ (اليساريون في حزب المحافظين، الذين لا يحبون الاعتدال الوسطي الذي تتسم به السياسات التي يتبناها الائتلاف، واليساريون في الحزب الديمقراطي الليبرالي الذين لا يريدون دعم حكومة يهيمن عليها المحافظون).
لكن إذا نجح التحالف واستمر، فهذا يعني أننا لن نشهد انفجاراً بركانياً سياسياً في بريطانيا، بل سنشهد تحركاً حقيقياً للصفائح التكتونية التي تقوم عليها السياسة البريطانية. وإذا حدث ذلك فلن يظل أي شيء كما كان عليه في سابق عهده أبدا.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
www.project-syndicate.org
