هل كان القادة السياسيون اليونانيون حمقى إلى درجة التفريط في قوة وقدرات بلادهم الاقتصادية من خلال إثقالها بالديون تملقا لجمهور الناخبين؟ وبسؤال أكثر تحديدا: هل هذا السلوك فعلا هو السبب الرئيسي في وصول اليونان إلى حافة الإفلاس؟
لكن قبل الإجابة: هل كان هذا سيحدث لو لم تكن بذور الخلل الهيكلي موجودة أصلا في بنية الاتحاد الأوروبي؟ فمن الواضح أن الاتحاد كان يعاني مصاعب في إدارة سياسته المالية والاقتصادية لأن أعضاء الاتحاد ليسوا كلا متجانسا من حيث الموارد والقدرات الاقتصادية والقوى البشرية ومن حيث التقدم التقني والعلمي, بل إن بعض دول الاتحاد ما زالت في درجات متخلفة بعيدا عن دول متقدمة فيه كألمانيا وفرنسا وبريطانيا .. اللاتجانس بل التفاوت الكبير بين دول الاتحاد لعب دوره في تفاقم إشكالات إدارية ومالية جراء تدني الرقابة والمحاسبة في نظام كالنظام اليوناني, حيث أخذ فيه الساسة راحتهم ممالأة للناخب على حساب السياسة الاقتصادية وما تتطلبه من حزم وتقشف قبل حلول الكارثة بزمن، إذ لو كانت آليات السياسة الاتحادية النقدية والمالية والاقتصادية تمتلك صلاحيات الفرض والتدخل إزاء ما كان يحدث في اليونان لما تداعت الأمور إلى حد الذعر الذي وضع الاتحاد فجأة أمام أسوأ اختبار .. وواضح أن الاتحاد ليس بإمكانه التدخل ليس فقط لأنه من الممانعات في سياسة الاتحاد فحسب، بل لأن الاتحاد نفسه مثقل بمشكلات عديدة، وانهيار اليورو كان مجرد تعبير مكثف عن مصاعب نقدية ومالية كانت تحيق بمواطني الاتحاد أغنياء وفقراء .. فقد بلغت مستويات المعيشة حدودا قصوى في معظم دوله, وبلغ التضخم فيها حدا أضر بمصالح الطبقة الوسطى التي أخذت تتآكل على مدى السنوات الماضية, وجاءت الأزمة المالية العالمية لتعمق الشرخ وتزيد الوضع سوءا على سوء.
كان واضحا منذ سنوات أن اليونان هي الحلقة الأضعف في الاتحاد، خصوصا في شقه الغربي، وكان الرهان متروكا لإمكانات مفتوحة تعول على أن يتماثل الاقتصاد اليوناني من أزماته مع أن الأفق ظل طوال تلك الفترات ملبدا بالغيوم ولم يكن واعدا على أي نحو كان, فالمشكلات كانت بادية في أداء المؤسسات الاقتصادية اليونانية, وثم أعقبتها حوادث الشغب والعنف على فترات حتى صارت ظاهرة شعبية ما عاد بالإمكان إنكارها وصارت النجدة الأوروبية أمرا محتوما.
تطرح تجربة الاتحاد الأوروبي وعلاقته بما حدث في اليونان وعلاقة ما حدث للأخيرة به وتأثيرها في مستقبله خصوصا تدهور اليورو .. هذه التجربة تطرح أسئلة جوهرية عن إمكانية نجاح اتحاد كبير قاريا كان أو إقليميا أو حتى اقتصاديا, خصوصا أن منظمة التجارة العالمية هي الأخرى ترنحت تحت ثقل نزاع أعضائها الكثر وبالذات الكبار منهم وباتت في حكم غير الموجودة .. فهل ما عاد العصر قابلا لكيانات كبرى تنشأ عن كيانات سيادية أخرى؟ أي هل فات أوان وجود اتحاد كبير على غرار الولايات المتحدة، وإن ذلك تم فقط في ظروف ما عاد بالإمكان تكرارها لأسباب تاريخية مختلفة مفاعيلها تماما عن الأمس؟ تجربة الاتحاد الأوروبي تطرح هذا السؤال الذي نحن في الخليج معنيون بتأمله والإجابة عنه، مع أن دول مجلس التعاون تملك مواصفات ثقافية وتاريخية واقتصادية متجانسة لا تتوافر في الاتحاد الأوروبي .. لكن السؤال يظل موضوعيا لأننا نريد لتجربة دول المجلس ألا تواجه مشكلات مفصلية كالتي يجابهها الاتحاد الأوروبي اليوم ونأمل أن تخطو مسيرة المجلس نحو التكامل في ضوء خبرتها وفي ضوء هذه التجربة أيضا إلى ما تصبو إليه دول المنطقة.
