الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

إن الأزمة المالية الحالية في أوروبا تقدم لنا تحديثاً فريداً من نوعه لمقولة لينين: “لا شيء يزعزع استقرار أي بلد أكثر من تكالب الناس على التخلص من عملته”. في الاتحاد الأوروبي اليوم نستطيع أن نقول إنه لا شيء قد يزعزع استقرار أي اتحاد نقدي أكثر من التهرب من الديون السيادية لبلد عضو في الاتحاد.

لقد تسببت الاضطرابات الناتجة عن أزمة الديون اليونانية، والقلق إزاء مشكلات مشابهة في أيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، في انتشار المخاوف بشأن استقرار البنوك الأوروبية، والنظام المالي العالمي، ومنطقة اليورو، والاقتصاد العالمي. ولقد أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخيرا عن هذه الهموم علناً فأضافت إلى المخاوف حول إذا ما كان اليورو سينجو من الأزمة.والواقع أن خطة الإنقاذ التي بلغت قيمتها 750 مليار يورو (ما يقرب من تريليون دولار) بتمويل من الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، لم تمنح الأسواق الدولية إلا استراحة قصيرة، الأمر الذي أفسح المجال الآن أمام تحليل أكثر واقعية للأزمة ومدى فاعلية الاستجابة لها. إن خطة الإنقاذ لا تشكل حلاً للمشكلات الجوهرية التي تواجهها منطقة اليورو؛ فهي في أفضل الأحوال تعمل على توفير الوقت الكافي لنشر التعديلات المؤلمة الضرورية تدريجياً وإقناع الناس بها. وهي تنطوي على مجازفات خطيرة تتعلق بالخطر الأخلاقي وخسارة البنك المركزي الأوروبي مصداقيته واستقلاله.

إن المشكلة الأساسية التي يعانيها اليونان تتلخص في التزاماته المالية المتضخمة، التي كانت تكاليف الاقتراض المنخفضة حين انضم اليونان إلى اليورو سبباً في تيسير تراكمها. بيد أن المشكلة لا تقتصر على اليونان ـ أو حتى على بلدان أخرى واقعة على المحيط الخارجي لمنطقة اليورو. ذلك أن الحماقة المالية منتشرة في مختلف أنحاء أوروبا وقسم كبير من بقية العالم. وإذا لم تدفع اليونان فوائد على ديونها وتمكنت من استعادة التشغيل الكامل للعمالة، فإن عجزها المالي سيظل عند مستوى مذهل (6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، لكن الأرقام المناظرة في أماكن أخرى مشابهة، إن لم تكن أسوأ: 8 في المائة في أيرلندا، و5.6 في المائة في إسبانيا، و6.8 في المائة في بريطانيا العظمى، و7.5 في المائة في الولايات المتحدة.

ويرى بعضهم أن الطريقة الوحيدة لإنقاذ اليورو هي أن يأتي الاتحاد المالي في أعقاب الاتحاد النقدي. وهم يوصون بتبني سياسات زيادة الضرائب، وزيادة الإنفاق الاجتماعي (وبحجم عجز ليس بالضئيل) كتلك التي تتبناها بلدان شمال أوروبا الضخمة، مثل ألمانيا وفرنسا. لكن هذا خطأ فادح. إن الأمر يتطلب فرض قيود على السياسة المالية من جانب كل بلد، وليس تأسيس سلطة مالية فوق وطنية.

إن المشكلة التي ابتلي بها عديد من البلدان الديمقراطية المتقدمة في أوروبا وغيرها من مناطق العالم، هي ارتفاع الإنفاق الحكومي والضرائب والديون العامة، وكل هذا يشكل خطراً جسيماً على النمو الاقتصادي. وفي استجابة صندوق النقد الدولي لهذا الميل فإنه يحث على العودة إلى نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي كانت سائدة قبل الأزمة. وإلا فإن تضخم الديون العامة إلى هذا الحد الهائل لا بد أن يعمل على إضعاف نمو نصيب الفرد في النمو بشكل مستديم بما يتجاوز الثلث في أغلبية البلدان ذات الاقتصاد المتقدم، وتقويض قدرة الحكومات على مكافحة موجة الركود المقبلة.

لكن العودة إلى منطقة الأمان قبل الأزمة ستتطلب عشرة أعوام من الفوائض الأولية الضخمة في الميزانية (مع استثناء أقساط الفائدة) أو نحو 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للولايات المتحدة، و3 في المائة بالنسبة لمنطقة اليورو (وأعلى بالنسبة للبلدان الأعلى ديوناً)، و7 في المائة بالنسبة لليابان.

إن الدروس الأساسية المستفادة من كارثة الديون اليونانية ليست جديدة..: 1 ـ يتجاهل المسؤولون المنتخبون التكاليف طويلة الأمد التي تترتب على تحقيق فوائد قصيرة الأمد. 2 ـ وهم يتقاعسون عن العمل إلى أن يصبحوا مضطرين. 3 ـ إن السياسات الحكومية غير قادرة على التحايل على قوانين الاقتصاد. 4 ـ والحكومات غير قادرة على إلغاء قوانين الحساب. 5 ـ لا تقتصر سياسة الموازنة على العملية المحاسبية. حين تقترض إحدى الحكومات باليورو (أو الدولار أو الجنيه أو البيزو أو اليوان) فإنها تلزم نفسها بالسداد بالقيمة الحالية لأقساط الفائدة في المستقبل ثم سداد أصل الدين في النهاية. وهذه الأموال لا بد أن تأتي من زيادة الضرائب، أو من تآكل القيمة الحقيقية للموازنات النقدية والديون الحكومية بفعل التضخم، أو من التخلف الصريح عن سداد الدين وإعادة هيكلته. ومن المؤكد أن التكاليف المترتبة على أي من هذه التصرفات في النهاية ستكون باهظة. فضلاً عن ذلك فإن المشكلة ليست مجرد مشكلة ديون عامة فحسب، ذلك أن ارتفاع نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا يؤدي إلا إلى مقايضة مشكلة العجز بالنمو الاقتصادي الأكثر تباطؤا. وفي العقود الأخيرة سجلت البلدان المتقدمة ذات الاقتصاد الضخم والمعدلات الضريبية الأعلى نمواً بطيئاً للغاية. ولم يكن العجز في ميزانية البلدان التي تفرض ضرائب أعلى أقل من نظيره في الولايات المتحدة التي تفرض ضرائب أقل؛ بل لم تفلح الضرائب الأعلى إلا في إفساح المجال لزيادة الإنفاق. لكن هل يتمكن أي ميثاق استقرار ونمو جديد، إلى جانب تقييم كل من بلدان منطقة اليورو للسياسات المالية التي يتبعها أقرانها، من حل هذه المشكلة؟ الواقع أن مشاورات صندوق النقد الدولي وتقييماته لم تخلف إلا أثراً ضئيلاً خارج البلدان التي تعتمد بشدة على برامج صندوق النقد الدولي. ولن يرضى المواطنون والساسة المحليون بالاستعانة بمصادر خارجية (بلدان مجاورة) أو منظمات دولية ما لم يضطروا إلى هذا من خلال تعهدات أكثر صرامة فيما يتصل بإصدار السندات. لذا فمن الأفضل كثيراً أن يفرض كل بلد مجموعة من القيود القانونية الجادة على صلاحيات أجهزته التشريعية فيما يتصل بالميزانية. ويشكل فرض قيود على العجز في الميزانية بداية طيبة، لكنه لا يكفي. إن النمو الهائل لدولة الرفاهية والعجز العام الذي ارتفع إلى عنان السماء والديون الضخمة، كل ذلك أصبح يشكل مصدراً رئيساً للمخاطر الاقتصادية الشاملة على المستويين الوطني والعالمي. وعلى هذا فإن فرض قيود متزامنة على الإنفاق والضرائب والديون مطلوب لتجنب الأزمات الاقتصادية والمالية في المستقبل.

ولقد كان فرض قواعد مماثلة على الميزانية الفيدرالية مفيداً إلى حد ما في الولايات المتحدة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، لكن هذه القواعد هُجِرَت في عام 1998. ولن يتسنى إلزام مزيد من الأجهزة التشريعية إلزاماً تاماً بمثل هذه القواعد ما لم تصبح جزءاً لا يتجزأ من الدستور. ولقد شهدنا نجاحاً واضحاً للقواعد الدستورية الخاصة بانضباط الميزانية في عديد من الولايات الأمريكية (بالنسبة للميزانيات العاملة، مع السماح بالاقتراض لتمويل الإنفاق الرأسمالي، مثل بناء المدارس)، كما تحركت ألمانياً أخيرا في الاتجاه نفسه. وتشتمل هذه القواعد على استخدام صمامات الأمان المؤقتة المناسبة في التعامل مع الركود، وبعضها يتطلب التصويت بأغلبية ساحقة. والواقع أن القواعد المعقولة تعد بفوائد كبيرة، نظراً للأزمة العالمية الحالية الطويلة الأجل التي يعانيها التمويل العالمي. والمشكلة ليست أن الحكومات تفتقر إلى موارد الإنفاق اللازمة، لكن زيادة الإنفاق الحكومي والضرائب والديون الحكومية تعمل على تآكل النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة في المستقبل. والحق أن هذا المستقبل يلوح الآن في الأفق، ليس في أوروبا فحسب, بل أيضاً في جميع أنحاء العالم، ما لم تعمل الحكومات على كبح جماح الإنفاق.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية