الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أثبت الملك عبد الله بن عبد العزيز والملك حمد بن عيسى والشيخ خليفة بن حمد أن العلاقات الخليجية البينية لا تحكم بالمعايير السياسية الدولية القائمة على لعبة المصالح، واستغلال التباينات .. ذلك لأن ما يربط أبناء الخليج سواء كأسر حاكمة أو شعوب خليجية من وشائج الأخوة والقربى ووحدة الغايات والأهداف ووحدة التاريخ والجغرافيا، وتشابه الظروف والسياقات .. هو دائما أكبر من تلك المعايير التي تخضع لحسابات الربح والخسارة، وهو ما ينسحب تلقائيا على بقية دول الخليج، والتي استطاعت أن تحافظ على منظومتها الإقليمية كأول منظومة عربية تستطيع أن تصمد أمام الكثير من العواصف والأزمات من خلال مجلس التعاون .. رغم عدم رضا الخليجيين أنفسهم عمّا تحقق من خلال مجلسهم حتى الآن، لاتساع رقعة الأحلام والتطلعات على حساب مساحة العمل والجهد المبذول.

والمبادرة الكريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله فيما يتصل بالإفراج عن بعض المواطنين السعوديين المعتقلين في قطر .. ثم نجاح وساطته - يحفظه الله - في تذليل الكثير من المصاعب التي تعكر صفو العلاقات الأخوية بين قطر والبحرين، وظهور بوادر انفراج واضحة في هذا الصدد .. تؤكد على أن الأشقاء الخليجيين الذين عرفوا في الملك عبد الله صفاء النية، ونقاء السريرة، والمصداقية في القول والعمل، والكلمة الفصل .. قد غلّبوا هذه المعايير على أي حسابات أخرى على اعتبار أنها الأصل، وما عداها فهو طارئ وعابر لا يعتد به في علاقات الأشقاء التي بنيت طيلة العهود السالفة على الثقة المتبادلة والشعور بحرص الشقيقة الكبرى على بناء تلك العلاقة وتعضيدها بكل جسور الثقة، ورفعها من درجة العلاقات الرسمية إلى درجة العلاقات الراسخة التي يتمم بعضها بعضا، ويدعم بعضها بعضا .. في كل ما من شأنه بناء استقرار البيت الخليجي، وتثبيت دعائمه.

إن ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية من مواقف رائعة بين البلدان الثلاثة ابتداء بالمبادرة الملكية، وانتهاء بالتوصل إلى تسمية مرشح البحرين لأمانة مجلس التعاون، إنما يعكس بمنتهى الوضوح حجم الثبات والتوازن في علاقات الأخوة، ويجسد حقيقة المسافة الكبيرة التي قطعتها الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف، ونزوعها إلى الاحتكام إلى ذلك المنهج الخاص الذي يحكم علاقة هذه البلدان فيما بينها، ويعزز من رصيد دول مجلس التعاون في الانطلاق بمجلسهم إلى آفاق أرحب وأوسع من التعاون المبني على هذه الصلات الحميمية التي لا تشبه سواها، ويجب ألا تشبه سواها .. لأنها صلات وعلاقات خاصة تستمد خصوصيتها من خصوصية المكان والزمان، والظروف والتهديدات المحيطة، وهذا ما يجعلنا بالفعل، ومن خلال هذه المبادرة النابهة نستشرف كشعوب خليجية قدرة نظامنا السياسي على تطوير العمل المشترك، وأخذه إلى تلك المواقع التي تحتشد بأحلام الخليجيين قاطبة، وآمالهم في تسريع وتيرة الإنجازات الخليجية بشكل أكبر، يجعل من هذه المنطقة الحساسة من العالم كتلة واحدة وقوة واحدة .. قادرة على تجنيب هذه البقعة شرور التهديدات، وبما يجعلها عصية على الأطماع، إلى جانب تحقيق أقصى درجات الأمن والرخاء للمواطن الخليجي الذي لا يستطيع أن ينفصل عن جذوره وعمقه الاستراتيجي كغطاء أمان، ومظلة أمن وارفة مهمتها صُنع السلام وصيانته وحماية أركانه.

لقد جاءت هذه المبادرة الكريمة، والاستجابات الرائعة التي تأسست عليها لتعيد صياغة النموذج الخليجي المختلف كما يراه الخليجيون أنفسهم قيادات وشعوبا .. كما أنها جاءت لتضع في مسيرة مجلس التعاون عقدا من الأضواء الذي يبدد عتمة الطريق، وينير لأبناء هذه المنطقة طريق المستقبل الذي يتطلعون إليه خلف قياداتهم المسؤولة التي تعكس بكل الصدق وروح المسؤولية حرصها على تمتين بناء هذا البيت الذي تضرب أركانه في عمق مفاهيم وقيم الأصالة والثقة والود والحرص على العمل المشترك الذي لا يخبو ولا يتثاءب.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية