الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

زرت واشنطن في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، وذلك بصحبة عدد من المختصين معظمهم من منطقة جنوب شرق آسيا. وأتيحت لي خلال تلك الزيارة فرصة تناول العشاء مع كيرت كامبل، وكيل وزير الخارجية الأمريكية لشؤون منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، وذلك في مطعم حميم الأجواء بالقرب من كابيتول هيل. وتم ترتيب جلسة العشاء هذه قبل أربعة أيام فقط من أول مهمة استكشافية يقوم بها كامبل إلى نابيداو، حيث كان يريد أن يستمع إلى آرائنا بخصوص أفضل وسيلة للتعامل مع الطغمة العسكرية الحاكمة في بورما.

اغتنمت هذه المناسبة كي أسأل كامبل بخصوص الأزمة التايلاندية التي طال أمدها. وأجابني الرجل، بكل صراحة، بأن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما كانت أكثر قلقاً بخصوص العنف المتصاعد في تايلاند، من قلقها إزاء القمع الذي تتم ممارسته في بورما. ويعود هذا الأمر إلى أن تايلاند ظلت فترة طويلة من الزمن أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة في القارة الآسيوية، وبالتالي فإن لدى الولايات المتحدة مصلحة سياسية في الحفاظ على الاستقرار السياسي في هذا البلد.

ظل الوضع في تايلاند يتحرك من سيئ إلى أسوأ منذ تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2009، كما أن شوارع العاصمة بانكوك، كانت مملوءة بالدماء خلال الأيام القليلة الماضية. وأمرت الحكومة في 13 أيار (مايو) قواتها العسكرية بشن هجوم ثانٍ على معاقل المتظاهرين من ذوي القمصان الحمر. وأسفرت المعارك الشرسة بين المتظاهرين وقوات الأمن، حتى كتابة هذه السطور، عن أكثر من 40 قتيلاً، بينما زاد عدد الجرحى على 200 شخص. وبالتالي، فإن لدى الولايات المتحدة كل الأسباب التي تبرر شعورها بالقلق إزاء وضع يبدو أنه أفلت من عقال السيطرة.

لقد توقف كامبل فترة قصيرة في بانكوك أثناء رحلة قام بها خلال الفترة الأخيرة إلى نابيداو. واجتمع في 9 أيار (مايو) مع شاتورون شيزانج، الزعيم السابق لحزب ثاي راك ثاي المنحل، وكذلك مع نوبادون بتّاما، المستشار القانوني لرئيس الوزراء السابق شيناواترا، إضافة إلى كبار قادة القمصان الحمر من حزب الجبهة الديمقراطية الموحدة ضد الدكتاتورية، وادعى كامبل أنه أراد من ذلك الاستماع إلى موقف ذوي القمصان الحمر، وتفاصيل خطة الطريق التي ترد بها حكومة أبيهيست عليهم.

أثار هذا التحرك الغضب الشديد من جانب وزير الخارجية كاسيت بايروميا، الذي هاجم الولايات المتحدة، وقال إنها تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، حيث استدعى في اليوم التالي سفير الولايات المتحدة لدى تايلاند إيريك جون إلى مقر وزارة الخارجية، وأسمعه محاضرة استغرقت 45 دقيقة. وبعد ذلك، كشف أحد مساعدي الوزير عن أن وزارة الخارجية كانت تعارض عملية إجراء محادثات بين الولايات المتحدة وجماعات تحاول إسقاط الحكومة بالاحتجاجات، إضافة إلى أنها تضم عددا من المسلحين.

وممّا جاء في بيانه ''كان الوضع السياسي بالغ الحساسية، كما أن حركة القمصان الحمر إرهابية، وتحرك انقلاباً يهدف إلى الإطاحة بالحكومة. وعلى الحكومة الأمريكية أن تكون حريصة في مسألة التحدث مع مثل هذه الجماعات التي يمكن أن تستغل ذلك لتحقيق مصالحها''. واستخدم أحد الناطقين باسم الجماعة المناهضة، وهي ذوو القمصان الصفر، عبارات مشابهة في وصف ذوي القمصان الحمر. وكان هذا الرجل من بين أولئك الذين احتلوا مطار العاصمة في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2008. وحاول مع غيره من ذوي القمصان الصفر التخلص من حكومتي صندارفيجي وونغساوات المنتخبتين, والفرق الوحيد هو أنه لم يقدم بعد إلى المحاكمة بسبب تصرفاته غير القانونية.

لقد أيدت التحرك الأخير من جانب كامبل، حتى لو كان بالإمكان النظر إليه على أساس أنه تدخل في السياسة التايلاندية، حيث كان لقاؤه مع ذوي القمصان الحمر مهماً، إذ يشير من الجانب الأمريكي إلى تحول في السياسة الأمريكية إزاء تايلاند، وهو تحول يعكس واقع العلاقة بين الجانبين.

عملت الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة على تعزيز تحالفها مع الجيش في تايلاند، وكذلك مع النخبة القديمة، الأمر الذي أجبر الحكومات القائمة في ذلك الوقت على اتخاذ سياسات مؤيدة لأمريكا، ومعادية للشيوعية، بل مضادة للديمقراطية، حيث كان كل ذلك يمارس تحت غطاء احتواء الانتشار الشيوعي في جنوب شرق آسيا. ونتيجة لذلك عانت البلاد عددا من الحكومات غير المستقرة في سبيل محاولة إرضاء الحكومة الأمريكية، وتلقي معونات عسكرية سخية من الجانب الأمريكي. وحافظت الولايات المتحدة على علاقتها الخاصة مع تايلاند بعد انتهاء الحرب الباردة، وركزت على دعم علاقاتها مع السلطات الراسخة هناك، اعتقاداً منها أن ذلك يعمل على دعم المصالح الأمريكية طويلة الأجل في هذا البلد الآسيوي.

إن موقف الولايات المتحدة الداعم للنخب الخاصة في البلاد يفسر لماذا لم تعارض بقوة الانقلاب العسكري الذي حدث في أيلول (سبتمبر) من عام 2006. وربما يعود ذلك إلى أن شيناواترا كان تهديدا لتلك النخب الموجودة في بانكوك، وبالتالي عده الأمريكيون معادياً لمصالحهم في هذا البلد. وظلت الولايات المتحدة ملتزمة جانب الصمت منذ الانقلاب إزاء الوضع المتدهور بصورة مستمرة في تايلاند. ولذلك، فإن لقاء كامبل مع ذوي القمصان الحمر يعد تحولاً في موقف الولايا المتحدة من التطورات السياسية في هذا البلد الآسيوي.

إذا نظرنا إلى الوراء، فسنجد أن العلاقات الأمريكية مع النخب التايلاندية كانت مقتصرة على مفهوم قديم، وعلى أخذ الأمور وكأنها مُسلّمٌ بها. وإذا كان ينظر إلى العلاقة بين الطرفين بأنها وثيقة، فإن المستوى الأعمق يظهر على الصعيدين الداخلي والخارجي، أن هنالك إعادة تشكيل لتلك العلاقات القائمة منذ فترة طويلة. ولقد مهدت العملية الديمقراطية السريعة، والتطور الاقتصادي في تايلاند، السبيل إلى تعزيز مؤسسات المجتمع المفتوح، وظهور أطراف جدد على المسرح السياسي. ومع ذلك، أخفقت الولايات المتحدة في إدراك هذه التحولات.

يبدو أن الولايات المتحدة أدركت أن الشعب التايلاندي، بقمصانه الحمر أو الصفر، أصبح أكثر انخراطاً في العملية السياسية أكثر من ذي قبل، وأن أثره في السياسة الخارجية للبلاد في تزايد. ومع الأسف، فإن بعض زعماء القمصان الصفر، وكذلك عدد من القادة الحكوميين ما زالوا عالقين في عقلية الحرب الباردة التي تتوقع استمرار الولايات المتحدة في موقفها الداعم للنخب الخاصة، في الوقت الذي أصبح فيه المجتمع التايلاندي أكثر نضجاً.

ليس الجميع في تايلاند موافقين على موقف ذوي القمصان الحمر في الاحتجاجات الأخيرة. كما أن كثيرين يعارضون شدة الإجراءات الحكومية ضد هؤلاء المحتجين. غير أن واشنطن ترى ضرورة الحفاظ على قناة اتصال مع الطرفين، وذلك كما فعلته خلال الفترة الأخيرة في بورما حين ركزت محادثاتها على النظام الرسمي، إضافة إلى زعيمة المعارضة، أونج كيي. حين تظاهر الزعيم الحالي لذوي القمصان الصفر في الماضي ضد الأنظمة التي كان يدعمها شيناواترا، اتصل بحلفاء أمريكا الخارجين لإنهاء شرعية هذا الرجل. فلماذا يحرم على ذوي القمصان الحمر في الوقت الراهن محاولة شيء قريب من ذلك؟ أم هي حالة أخرى من المعايير المزدوجة التي تحكم السياسة في تايلاند؟

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية