كانت الزيارة التي قام بها كيم جونج إل إلى الصين هذا الأسبوع بمثابة تَذكِرة هادئة بأن الطريق إلى بيونج يانج يمر عبر بكين, فالصين هي القوة الوحيدة التي ظلت على اتصال بكوريا الشمالية عبر عديد من التقلبات، في حين كان التواصل بينها وبين روسيا واليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية متقطعاً.
والحق أن الصين تسهم بشكل كبير في تعزيز السلام الإقليمي من خلال إبقاء الباب مفتوحاً أمام قادة كوريا الشمالية, وهي دبلوماسية جريئة في هذه اللحظة البالغة الحساسية ـ التي لم توف الصين حقها من التقدير لانتهاجها.
بيد أن النفوذ الذي تمارسه الصين على كوريا الشمالية يكاد يكون متوهماً في جزء منه, فلا بد من تقييم زيارة كيم إلى الصين استناداً إلى حقيقة العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية، وليس كما يتمنى الآخرون لها أن تكون. وبهذا نستطيع أن ندرك أهمية الدور المتروك لأمريكا وكوريا الجنوبية في إشراك الشمال من أجل إحياء عملية نزع السلاح النووي وإصلاح العلاقات بين الكوريتين.
هناك ثلاثة تصورات خاطئة عملت على تشويه تغطية الزيارة التي قام بها كيم إلى الصين. التصور الخاطئ الأول هو أنه يسعى يائساً إلى الحصول على المساعدة من جانب الصين في محاولة لدعم نظامه في مواجهة السخط المتأجج إزاء فشل إصلاحات العملة, فعلى الرغم من المشكلات الاقتصادية المؤلمة التي تعانيها كوريا الشمالية في الآونة الأخيرة, التي كانت سبباً في زعزعة أركان النظام، لا ينبغي لنا أن ننسى أن النظام في كوريا الشمالية تمكن من الصمود في وجه مواقف أشد سوءاً من قبل. والواقع أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وكوريا الشمالية كانت مدفوعة بمصالح مادية وعوامل اقتصادية بقدر ما تدفعها المخاوف بشأن الاستقرار الجغرافي السياسي.
والواقع أن التبادل التجاري يقلل من أهمية المساعدات، فقد أصبحت الصين الآن ـ خاصة مقاطعاتها الحدودية ـ الشريك التجاري الرئيس لكوريا الشمالية والمصدر الذي تستمد منه الاستثمار الأجنبي. ولقد أعلن رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو تنفيذ حزمة تجارية كبرى أثناء الزيارة التي قام بها إلى بيونج يانج في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وهي الحزمة التي ربما تبلغ قيمتها عشرة مليار دولار. وأخيرا أسست كوريا الشمالية بنك الدولة للتنمية ومجموعة تي بنج الاستثمارية الدولية (التي يترأسها رجل أعمال ينتمي إلى أصول كورية صينية مختلطة)، وهما المؤسستان المكلفتان باجتذاب الاستثمار الأجنبي.
وظهر أيضاً اهتمام متجدد بتنمية وتطوير المدينة المرفأ راسون، التي تقع بالقرب من نقطة التقاء حدود الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وتحويلها إلى منطقة اقتصادية خاصة. ورغم أن كوريا الشمالية تقف بعناد وراء نموذج سيطرة الدولة والتخطيط المركزي الذي عفا عليه الزمن، فمن الواضح أن الزيارات التي قام بها كيم إلى مدن مزدهرة في الصين مثل داليان وتيانجين تعكس اهتمامه المستمر ـ رغم تردده ـ بإيجاد سبل بديلة لجلب الازدهار إلى بلاده وتعزيز قوتها.أما التصور الخاطئ الثاني فهو أن الرئيس الصيني هو جين تاو عرض على كيم ''حزمة ضخمة'' من المساعدات في مقابل العودة إلى المحادثات السداسية الأطراف بشأن برنامج كوريا الشمالية النووي. لا شك أن هو جين تاو كان يبحث عن سبل لإحياء المحادثات، لكن ليس عن طريق شراء كيم بالمساعدات. فهو بدلاً من ذلك كان ليسعى إلى التعرف على مستوى استعداد كيم لاستئناف المحادثات، والشروط المسبقة والحوافز التي ربما تحرك الأمور، والحيز المتاح للمناورة، في ضوء مواقف الأطراف الأخرى.
ومن الواضح أن كيم أكد استعداد حكومته للعودة إلى المحادثات، لكن السؤال هنا هو: ما نوع الضمانات التي كان بوسعه تقديمها للرئيس هو جين تاو حتى يتمكن من إقناع الولايات المتحدة القلقة وكوريا الجنوبية العدائية بأنه مستعد للتوصل إلى اتفاق حقاً؟ فضلاً عن ذلك فإن كيم أيضاً يحتاج إلى الحصول على ضمانات من هو جين تاو ـ ليس فيما يتصل بالمساعدات الصينية، بل حول مدى استعداد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان للأخذ والعطاء.
والتصور الخاطئ الأخير هو أن هو جين تاو ربما طالب كيم بتقديم تفسير للأسباب التي دعت كوريا الشمالية إلى إغراق السفينة الكورية الجنوبية في آذار (مارس) الماضي. فلعل الرئيس هو جين تاو، الذي التقى أخيرا الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونج باك، ناقش هذه القضية مع كيم، فضلاً عن استعراضه الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونج باك لدفعه إلى الرد، بل ربما الانتقام. بيد أن الصينيين لا يفترضون أن كوريا الشمالية مذنبة. فحتى في مواجهة الأدلة القوية التي تؤكد بشاعة الفعلة التي ارتكبتها كوريا الشمالية، يميل الصينيون إلى النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها شأناً خاصاً بالعلاقات بين الكوريتين، ولا ينبغي لها أن تقرر مصير المحادثات السداسية الأطراف.
وبدلاً من انتقاد الصين، يتعين على رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما ورئيس كوريا الجنوبية لي ميونج باك الآن أن يبذلا المساعي للتواصل مع الصينيين بهدف استخلاص نتائج الزيارة التي قام بها كيم إلى الصين ـ فيما يتصل بالقضايا الأمنية والاقتصادية. ويتعين على الصين أن تستمر في قيادة الجهود الرامية إلى تشجيع إصلاح وانفتاح اقتصاد كوريا الشمالية، بمساعدة من المؤسسات المالية الدولية.mويتعين على الولايات المتحدة فضلاً عن ذلك أن تسعى بنشاط إلى تأمين سبيل العودة إلى المحادثات السداسية الأطراف، وأن تقاوم الفكرة المشؤومة التي تؤكد استناداً إليها أن إقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي أمر مستحيل، فضلاً عن تصور خطير آخر مفاده أن النظام في كوريا الشمالية سيأتي متوسلاً، بل ربما ينهار تماماً، إذا انتظرنا.
لا شك أن كوريا الجنوبية تواجه المعضلة الأضخم في هذا السياق، ذلك أن أي خطوة إلى الأمام لا بد أن تنتظر نتائج التحقيق في غرق سفينتها الحربية ومقتل بحاريها. لكن يتعين على الرئيس لي ميونج باك أن يتوصل بطريقة أو بأخرى إلى الوسيلة الكفيلة بإعادة العلاقات بين الكوريتين إلى المسار السِلمي.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
www.project-syndicate.org
