الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

قد تعجب لو علمت أن إنساناً يبحث عن الفقر! فلو سألت جميع الناس فإنك لن تجد من يبحث عن ذلك ... ولكن هنالك من يعمل ليلاً ونهارا من أجل التحول من الحال الميسورة إلى خط الفقر ... من أهم الخطوات في الانتقال إلى مرحلة الفقر، وقد يكون من أهمها، من يجعل الدنيا همه الأكبر، فيبقى فقيرا لا يجد طعماً للحياة ... فهو فقير النفس وقد يكون غني المال ... فدائما تراه يشحذ بعض الموسرين ومن المؤسف أن أفراد تلك العينة قد يكونون من ساكني القصور وأصحاب العمائر. فهذه أسوأ درجات الفقر لأنه متمكن في النفوس. وهنالك فئة أخرى تلاحظ انخفاضا أو بالأحرى ثباتا في مدخولاتهم المادية، ولكنهم باقون على وتيرة واحدة في العمل والمصروفات، فأسعار الأشياء ترتفع وهو لا يزال يصرف، كما كان عليه الوضع في السنين السابقة، فعلى سبيل المثال لا الحصر الشخص الذي دخله أربعة آلاف ريال ولديه منزل خاص، كانت حالته المادية منذ أربع سنوات ميسورة فهو يذبح للضيف وبيته مملوء بالخيرات، ولكن حالته المادية في هذه السنة تختلف ... فقد استجدت أمور لم تكن محسوبة، أصبحت فواتير الجوالات تأخذ قرابة 25 في المائة من دخل بعض المواطنين، وسعر ذبيحة الضيف يصل إلى 25 - 30 في المائة من الراتب، وكبر الأولاد وزادت متطلباتهم خصوصاً فئة النساء، فهذا النوع من المواطنين أصبح كثيرا، والسبب يكمن في عدم التخطيط والمجاملات، فكم أسعدني أحد أصحاب الدخول المتدنية (من البادية) والذي لم يمد يده لأحد، أن دعاني لوجبة عشاء ودعا جميع معارفه فوجدته قد قدم إلينا الدجاج بدلاً من اللحم البلدي، فما كان مني إلا أن قبلت رأسه احتراماً وتقديراً لعدم التكلف أمام بقية المدعوين!!، لأني أعرف أحواله وأحوال جماعته، وفرح فرحاً كبيراً، وأثنى بعض الحاضرين على ذلك التصرف. وعلى النقيض من ذلك تجد من عليه الديون والمسؤوليات الكبيرة وحالته يرثى لها ... وهنالك من يحلف (بالطلاق) على توجيبه، كما أنه يتكلف كثيراً في دعوته، فهو يستدين جميع احتياجات الدعوة (قد يكون منك أيها الضيف)، فهذا النوع هو من يشتري الفقر بالعملة الصعبة. والنتيجة أنه يصبح من المُستَجدين، والأسوأ من ذلك فهو من المقترين على أهلهم ومن يعولون ... كل ذلك حتى يقال عنه كريم ولم يقصر مع جماعته ... فالضحية الزوجة والأبناء المحرومون!! قد يتخطفهم ضعفاء النفوس بابتزازهم أو القيام بأعمال غير مشروعة ونحوها.

ومن الأمور المؤدية للفقر وتحصل كثيراً مع أبناء الحاضرة التوسع في البناء وتغيير أثاث وديكور المنزل أو تغيير السيارات، والسفريات السنوية ونحوها من الكماليات، وهذا يحصل بعض الأحيان إن لم يكن أكثرها مع موظفين من أصحاب الدخول المتوسطة، حيث يستدينون من البنوك، وبعدها تجد أن الباقي من راتبه لا يغطي مصاريفه وأهله، فهو بذلك قدم الكماليات على الأمور الأساسية، والأدهى من ذلك والأمَر إذا كان ذلك الشخص منزله مستأجر، فقد يعمد إلى المماطلة وعدم دفع الإيجار، فهو بذلك تحول إلى إنسان فقير وآكل لحقوق الناس، كل ذلك من أجل الوجاهة ومدح الناس له، ولا ننسى الأمر الأهم أنه سوف يؤثر في السعادة الأسرية.

أردت بتلك الأمثلة تنبيه القارئ الكريم أن يحذر من التحول إلى مرحلة الفقر والعوز، وأن يكون لدينا وعي اجتماعي يقدر فيه المقتدر ظروف الضعيف، وكم أتمنى أن يحلف الضيف على المضيف بعدم التكلفة وهذه قد تكون سنة حسنة يحتاج إليها مجتمعنا، وإلى لقاء.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية